عذراً يا متحدث البترول: التعدين أكبر من أن تختزله في الشركات الصغرى
أثارت تصريحات المهندس محمود ناجي، المتحدث الرسمي لوزارة البترول والثروة المعدنية، خلال مداخلته ببرنامج «الحياة اليوم»، بشأن اعتماد صناعة التعدين، وخاصة الذهب، على الشركات الصغرى، ثم دخول الشركات الكبرى في مراحل لاحقة، تساؤلات حول دقة الصياغة التي خرجت بها هذه الرؤية إلى الرأي العام.
فصناعة التعدين ليست نشاط بسيط يمكن اختزاله في حجم الشركة، وإنما هي صناعة متكاملة تبدأ بالاستكشاف ولا تنتهي إلا بالتطوير وبناء المنجم والإنتاج ومعالجة الخام، مرورًا بدراسات الجدوى والتمويل والبنية الأساسية والتكنولوجيا وإدارة المخاطر.
صحيح أن شركات التعدين الصغيرة، المعروفة عالميًا باسم Junior Mining Companies، تلعب دورًا مهمًا في أعمال البحث والاستكشاف، وتتحمل مخاطر مرتفعة في المراحل الأولى، وهي حقيقة أكدها وزير البترول والثروة المعدنية المهندس كريم بدوي نفسه عند حديثه عن الحوافز المقدمة لجذب شركات الذهب، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، لكن هذا لا يعني أن صناعة التعدين «تعتمد على الشركات الصغرى» باعتبارها القاعدة الوحيدة أو النموذج المسيطر على الصناعة.
فالانتقال من مجرد مؤشرات جيولوجية أو كشف واعد إلى منجم تجاري ضخم يحتاج إلى استثمارات كبيرة، وخبرات فنية متخصصة، وقدرات تمويلية وتشغيلية طويلة الأجل. وهنا يظهر الدور المحوري للشركات الكبرى إلى جانب الشركات المتوسطة والصغيرة، سواء من خلال الاستثمار المباشر أو الشراكات أو الاستحواذ على مشروعات أثبتت جدواها الاقتصادية.
والأهم أن الخطاب الرسمي للوزارة خلال الفترة الأخيرة يقوم أساسًا على جذب مختلف شرائح المستثمرين، وفي مقدمتهم كبرى شركات التعدين العالمية، فقد عقد الوزير كريم بدوي اجتماعات مع شركات دولية كبرى لبحث الاستثمار في الذهب والمعادن، كما أكدت الوزارة أن منتدى مصر للتعدين 2026 يشهد مشاركة رؤساء ومسؤولي شركات تعدين عالمية كبرى ومؤسسات تمويل دولية.
بل إن الوزارة أعلنت عشية انطلاق المنتدى أن الحدث يمثل منصة دولية لعرض الفرص الاستثمارية المصرية أمام الشركات والمستثمرين، وأن رئيس الوزراء سيترأس مائدة مستديرة مع عدد من كبار المستثمرين والشركات العاملة في التعدين.
ومن هنا فإن المشكلة ليست في الإشارة إلى دور الشركات الصغيرة، فهذا الدور موجود ومعترف به عالميًا، وإنما في تقديم صورة قد توحي بأن التعدين صناعة تبدأ بالشركات الصغيرة وتعتمد عليها، بينما الشركات الكبرى تأتي فقط بعد انتهاء مرحلة الاستكشاف.
يا بشمهندس محمود، التعدين صناعة كثيفة رأس المال والمخاطر والتكنولوجيا، وتحتاج منظومة تجمع بين شركات الاستكشاف الصغيرة والمتوسطة، والشركات الكبرى القادرة على تمويل وتطوير وتشغيل المناجم العملاقة، إلى جانب البنوك ومؤسسات التمويل وشركات الخدمات والتكنولوجيا، والدليل موجود داخل مصر نفسها، فمنتدى مصر للتعدين الحالي يستهدف مشاركة عالمية واسعة، فيما تؤكد بيانات المنتدى وجود أكثر من 100 شركة تعدين ومقدم حلول، مع حضور قيادات دولية بارزة، بما يعكس أن استراتيجية الدولة لا تقوم على حجم واحد من الشركات، وإنما على بناء منظومة استثمارية متكاملة.
ولهذا كان من الضروري أن تكون تصريحات المتحدث الرسمي أكثر دقة، خصوصًا في توقيت تسعى فيه مصر إلى تقديم نفسها للعالم كوجهة استثمارية تعدينية كبرى.
من المفترض أن المتحدث الرسمي لا يقدم رأيًا شخصيًا، وإنما يعبر عن سياسة وزارة، وكل كلمة تصدر عنه يفترض أن تتسق مع الخطاب الاستثماري الذي يقدمه الوزير أمام الشركات العالمية.
يا سيدي، الشركات الصغيرة مهمة في التعدين، وخاصة في الاستكشاف، لكنها ليست وحدها صناعة التعدين، فحين يتحول الكشف إلى منجم، تبدأ معركة التمويل والتكنولوجيا والتطوير والإنتاج، وهنا تصبح القدرات المالية والفنية الكبيرة عنصر لا غنى عنه.
#المستقبل_البترولي