الثلاثاء 06 أكتوبر 2026 الموافق 25 ربيع الثاني 1448

د جمال القليوبي يكتب: أسعار النفط بين التصريحات وقواعد الاوبك

91
المستقبل اليوم

لم يعد سعر برميل النفط انعكاسًا لحجم الإنتاج والاستهلاك وحدهما؛ فقد أصبحت التصريحات السياسية والتهديدات العسكرية وأمن الممرات البحرية عناصر مؤثرة في تسعيره. وبين قرارات «أوبك» ورسائل البيت الأبيض وطهران وتطورات الحرب الروسية الأوكرانية، يتحرك السوق على مستويين: براميل تصل بالفعل إلى المستهلك، وتوقعات بشأن براميل قد تتوقف غدًا.

تقوم منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» بتنسيق السياسات النفطية لأعضائها، وتؤثر في توازن السوق من خلال إدارة الإنتاج. لكنها لا تحدد سعرًا عالميًا ملزمًا للبرميل؛ فالسعر يتشكل عبر التداول والعقود وتفاعل العرض والطلب والمخزونات. وتستند قراراتها إلى متابعة النمو الاقتصادي، واحتياجات الدول الصناعية والأسواق الناشئة، وإنتاج الدول المنافسة، وقدرات أعضائها، بينما يوسع تحالف «أوبك+» نطاق التنسيق ليشمل منتجين من خارج المنظمة، أبرزهم روسيا.

في الظروف الطبيعية، تستطيع زيادة الإنتاج أو خفضه المساهمة في احتواء اختلال السوق. أما أثناء الحروب، فتظهر مشكلة أكثر تعقيدًا: قد توجد طاقة إنتاجية متاحة، لكن يتعذر نقل النفط بأمان. وقد تعمل الآبار بينما تتضرر محطات الضخ أو الموانئ، أو ترفض شركات الشحن العبور، أو ترتفع أقساط التأمين إلى مستويات تغير جدوى الرحلة. وهنا يتسع الفارق بين القدرة على إنتاج البرميل والقدرة على تسليمه.

وقد أكدت تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران حساسية السوق تجاه الشرق الأوسط. فالمنطقة تجمع بين مصادر إنتاج كبرى وممرات بحرية يصعب تعويضها سريعًا. وأفادت رويترز في الرابع من أكتوبر بأن «أوبك+» أبقى أهداف إنتاج نوفمبر دون تغيير، بينما ظلت إمدادات بعض المنتجين الخليجيين أقل من المستهدف بسبب الحرب؛ وهو ما يوضح أن قرار الإنتاج وحده لا يضمن وصول الكميات إلى الأسواق.

وتضيف هجمات الحوثيين على المنشآت النفطية السعودية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر طبقة أخرى من المخاطر. وقد نقلت رويترز، في الرابع من أكتوبر، وقوع ضربات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت لأرامكو بالتزامن مع تصعيد القتال في اليمن. لكن التحليل الدقيق يقتضي التمييز بين استهداف منشأة، وتعطل جزء من الإمدادات، وتوقف الصادرات السعودية بالكامل؛ فلكل حالة حجم مختلف من التأثير، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها واقعة واحدة.

وفي مضيق هرمز، لا يكفي إعلان الإغلاق أو التهديد بالحصار للحكم على حركة النفط والغاز؛ إذ يجب متابعة العبور الفعلي وأعداد الشحنات وكمياتها. فقد أظهرت بيانات نقلتها رويترز أن شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة خلال سبتمبر بلغت أعلى مستوى شهري منذ بداية الحرب، رغم استمرار المخاطر. وبالتالي، فإن وصف الملاحة بالتوقف الكامل يغفل حركة متقطعة ومكلفة وقابلة للانتكاس.

هنا تبرز «سياسة التصريحات». فكلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتحذيرات الحرس الثوري الإيراني، وتهديدات المتحدث العسكري الحوثي، تستطيع دفع المتعاملين إلى إعادة تقييم المخاطر قبل وقوع انقطاع جديد. يتوقع المستورد نقصًا فيسرع الشراء، ويتوقع مالك الناقلة خطرًا فيرفع أجرة النقل، وتتوقع شركة التأمين خسارة فتزيد القسط. وهكذا قد ترتفع تكلفة البرميل الواصل إلى المستهلك حتى قبل انخفاض الإنتاج.

لكن تأثير التصريحات يتوقف على مصداقيتها وما يتبعها من إجراءات. وقد قدم ملف الديزل مثالًا واضحًا: أشارت رويترز إلى أن طرح ترامب احتمال تقييد الصادرات الأمريكية أحدث اضطرابًا في السوق، قبل أن يخفف البيت الأبيض موقفه باتجاه إجراءات طوعية مع شركات التكرير. فالتهديد بقرار تجاري قد يحرك الأسعار، بينما يتحدد الأثر المستمر بحجم التنفيذ والتغير الفعلي في الإمدادات.

وبالتوازي، تضغط الحرب الروسية الأوكرانية على سوق المنتجات البترولية. فالضربات على المصافي تختلف عن ضرب حقول الخام: تعطيل التكرير يقلل إنتاج الديزل والبنزين ووقود الطائرات، وقد يترك خامًا متاحًا دون قدرة كافية لتحويله إلى وقود. ومددت روسيا حظر صادرات الديزل حتى نهاية أكتوبر لتلبية احتياجاتها الداخلية، في ظل اضطرابات مرتبطة بضربات المصافي، ما زاد الضغط على الإمدادات العالمية. أما الغاز، فتنتقل إليه آثار الحرب عبر منشآته ومساراته وعقوده، وليس بالضرورة عبر الآلية نفسها.

لذلك، أصبحت مهمة اوبك  وأوبك+ أوسع تحديًا: موازنة العرض والطلب وسط مخاطر لا تستطيع حصص الإنتاج وحدها علاجها. فاستقرار الأسعار يحتاج إلى إنتاج قابل للتسليم، وملاحة آمنة، ومصافٍ تعمل، وتصريحات تستند إلى سياسات واضحة. وسيظل البرميل يتأرجح بين الأخبار والواقع، إلى أن يصبح انتظام الإمدادات أقوى تأثيرًا من التهديد بانقطاعها….والي تكمله قادمة




تم نسخ الرابط