الخميس 08 أكتوبر 2026 الموافق 27 ربيع الثاني 1448

هبة عبدالقادر..المياه تتحرك في النيل

463
هبة عبد القادر
هبة عبد القادر

ليست ستة أشهر وقتاً كافياً للحكم على تجربة رئيس شركة، لكنها قد تكون كافية لتعرف إن كان هناك شيء يتحرك، أم أن القادم الجديد اكتفى بتغيير الاسم على باب المكتب، وفي حالة هبة عبدالقادر، رئيس شركة النيل للبترول، يبدو أن المياه بدأت تتحرك قبل أن تكتمل هذه الأشهر، وأن الشركة أصبحت أمام تجربة تستحق المتابعة.

لم تأتي هبة إلى النيل باحثة عن أول موقع كبير في حياتها الوظيفية، فقد جاءت من «الباب العالي»، بعد أن تولت نيابة التجارة الخارجية بالهيئة المصرية العامة للبترول، ثم مسؤولية التسويق بالقابضة للبتروكيماويات، ومن يعرف طبيعة هذه المواقع يدرك أنها ليست مقاعد للوجاهة، وأن الجلوس عليها يعني التعامل مع ملفات ثقيلة، تتداخل فيها الحسابات التجارية مع احتياجات الدولة، وتصبح فيها بعض القرارات أكبر من حدود الوظيفة نفسها.

ولهذا لم يكن السؤال عند انتقالها إلى النيل: هل تملك الخبرة؟ وإنما كان: كيف ستستخدم هذه الخبرة داخل شركة تحتاج إلى الاقتراب من تفاصيلها، والتعامل مع واقعها، وتحريك قدراتها؟

هناك فارق بين أن تدير ملف من موقع مركزي، وأن تدير شركة لها عاملون ومواقع ومصالح ومشكلات يومية، في الموقع الأول قد تأتيك الصورة مجمعة في تقرير، أما في الثاني فأنت مسؤول عن التفاصيل التي صنعت هذا التقرير، وقد ينجح مسؤول في الأول ويتعثر في الثاني، لأن لكل موقع أدواته، ولأن الخبرة مهما اتسعت تحتاج إلى مرونة تجعلها صالحة للمكان الذي انتقلت إليه.

وأعتقد أن هبة عبدالقادر أدركت هذا الفارق، فالبداية التي ظهرت خلال أقل من ستة أشهر تشير إلى رغبة في العمل، وإلى أن صاحبة المقعد لم تأتي لتستريح فوق تاريخها الوظيفي، وهذه نقطة مهمة، لأن بعض القيادات تتعامل مع مناصبها السابقة باعتبارها شهادة دائمة على الكفاءة، بينما الحقيقة أن كل موقع جديد يضع صاحبه أمام امتحان جديد، لا تعفيه منه سيرته الذاتية.

تحريك المياه داخل شركة ليس تعبيراً فضفاضاً، فالمؤسسات قد تعتاد إيقاع معين، وتصبح أسيرة لما تعرفه، حتى تتصور أن حدود ما تفعله هي حدود ما تستطيع فعله، وهنا تظهر قيمة القيادة التي تطرح السؤال من جديد: لماذا لا نستطيع؟ وما الذي يمنعنا؟ وهل جربنا أصلًا؟

ولست هنا بصدد إعلان اكتمال النجاح، فلا الأشهر القليلة تسمح بذلك، ولا الإنصاف يقتضي أن نحمل البداية أكثر مما تحتمل، لكن الإنصاف نفسه يفرض أن نسجل أن هناك حركة، وأن نعطي هذه الحركة حقها، ثم ننتظر ما ستنتجه من نتائج، فالقيادة تُحسب لها قدرتها على البداية، ويُحسب عليها بعد ذلك مدى قدرتها على الاستمرار.

وهبة عبدالقادر واحدة من سيدات القطاع اللاتي منحهن المهندس كريم بدوي فرصة الصعود إلى مواقع القيادة، وهي خطوة تستحق التقدير بقدر ما تفتح الطريق أمام الكفاءة، وتمنح الخبرات النسائية مساحة حقيقية لتحمل المسؤولية، ثم يأتي العمل ليقول كلمته، ويثبت جدارة الاختيار.

وقد يكون في انتقال هبة إلى النيل معنى يتجاوز حركة التعيينات نفسها،فالمسؤول الذي عمل بالقرب من دوائر القرار الكبرى يستطيع أن يحمل إلى الشركة رؤية أوسع، بشرط أن يظل قريبًا من أهلها، وأن يفهم أن نجاحه سيمر عبرهم، فالشركات لا تتحرك بإرادة رئيسها وحده، لكنها تحتاج إلى رئيس يعرف كيف يجمع إرادات العاملين حول هدف، ويمنحهم سببًا للثقة في جدوى ما يفعلونه.

هذا هو الاختبار الذي سيحدد ملامح التجربة خلال الفترة المقبلة: أن تتحول الحركة إلى أداء مستقر، وأن تصبح الرغبة في التطوير قدرة على التطوير، وأن يشعر أبناء النيل بأنهم شركاء في مرحلة جديدة.

أما الآن، فمن حق هبة عبدالقادر أن نسجل لها أنها استطاعت في فترة قصيرة أن تحرك المياه، ومن حق الشركة أن ننتظر لها المزيد.

جاءت هبة من «الباب العالي»، لكن الصفحات المقبلة من حكايتها ستُكتب على أرض النيل، حيث تصبح قيمة المنصب فيما يتركه صاحبه، وحيث لا يغني تاريخ المسؤول عن أثره في المكان.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط