رؤساء شركات شرفيون.. بدون مكاتب ولا صلاحيات.. فلمن القرار ؟
ليس كل من يحمل لقب رئيس مجلس إدارة يملك قرار الشركة التي يرأسها، ففي قطاع البترول، هناك مسافة تتسع أحيانًا بين المنصب وصلاحياته، حتى يصبح الرئيس مسؤولًا عن النتائج، بينما أدوات تحقيقها في أيدي آخرين.
وحين نتأمل هذه الظاهرة، نجد أنفسنا أمام ثلاثة أنواع من رؤساء الشركات، يجمعهم اللقب، وتختلف أسباب تراجع قدرتهم على اتخاذ القرار.
النوع الأول يشمل رؤساء الشركات الذين أصبحت صلاحياتهم شبه منزوعة، في وضع مضى عليه أكثر من عشر سنوات، تتجه القرارات إلى مستويات أعلى، وتتزايد الموافقات المطلوبة، ويجد رئيس الشركة نفسه مضطرًا للرجوع في تفاصيل يفترض أن يكون حسمها من صميم اختصاصه.
ومع الوقت، تتحول إدارة الشركة إلى متابعة للمكاتبات وانتظار للردود، يتأخر القرار، وتتعطل مصالح، ثم يُسأل رئيس الشركة عن ضعف الأداء وبطء الإنجاز، وكأنه كان يملك وحده مفاتيح الحركة.
لا أحد يعترض على الرقابة أو المحاسبة، لكن ما جدوى اختيار رئيس لشركة إذا كنا لا نثق في قدرته على إدارة شؤونها؟ وكيف نحاسبه على قرار لم يملك اتخاذه، أو فرصة ضاعت وهو ينتظر الموافقة عليها؟
أما النوع الثاني، فهو رؤساء الشركات الذين لديهم شريك يتقاسم معهم الصلاحيات الممنوحة لهم أصلًا على مضض، والشراكة، حين تكون متوازنة، تضيف إلى الشركة خبرة وقدرة على العمل، لكن المشكلة تبدأ عندما يستغل الشريك ضعف رئيس الشركة أو تردده، فيوسع مساحة نفوذه على حسابه.
هنا تتراجع صلاحيات الرئيس تدريجياً، يتنازل في موقف، ويتجنب الخلاف في موقف آخر، ثم يكتشف أنه أصبح بعيدًا عن قرارات يفترض أنه طرف أصيل فيها.
وبعض رؤساء الشركات يستطيعون الحفاظ على هذا التوازن، بما لديهم من شخصية قوية ومعرفة بحقوق شركاتهم وحدود اختصاصاتهم، قوة الرئيس هنا تظهر في قدرته على إدارة العلاقة مع الشريك، والتفاوض معه، والدفاع عن مصالح الجانب الذي يمثله، دون أن يحول الشراكة إلى صراع.
لكن بقاء الصلاحيات لا ينبغي أن يعتمد على قوة الشخصية وحدها، فالمنظومة التي يحتفظ فيها رئيس بحقه لأنه قوي، ويفقده آخر لأنه أقل قدرة على المواجهة، تحتاج إلى قواعد أوضح، ومساندة تحمي الاختصاص قبل أن تطلب من صاحبه الدفاع عنه.
ويأتي النوع الثالث: رؤساء مجالس الإدارة الذين تبدو مناصبهم شرفية، بحكم توزيع السلطات داخل الشركة، وفي هذا السياق تطرح أمثلة مثل التيوب وإمارات مصر، وشركة السكري وغيرهما، ويُثار بشأنها التساؤل عن المساحة الفعلية المتاحة لرئيس مجلس الإدارة، وصولًا إلى الحديث عن عدم وجود مكتب مخصص له، بينما تتركز الإدارة اليومية لدى المدير التنفيذي والشريك.
والحكم الدقيق على صلاحيات أي رئيس يظل مرهوناً بلائحة شركته وعقد تأسيسها والسلطات المقررة لمجلس إدارتها، فوجود مدير تنفيذي يتولى التشغيل اليومي أمر مفهوم، لكنه يفتح سؤالًا عن الدور المقابل لرئيس المجلس: هل يشارك بفاعلية في وضع الاستراتيجية والرقابة ومتابعة الأداء، أم يقتصر حضوره على الاجتماعات والتوقيعات؟
المشكلة ليست في أن يتولى المدير التنفيذي الإدارة، وإنما في أن يصبح منصب رئيس مجلس الإدارة بلا دور مؤثر، أو أن يمنح صاحبه لقب كبير ثم تترك له مساحة محدودة لا تتناسب مع المسؤولية التي يوحي بها هذا اللقب.
هذه الأنواع الثلاثة تضعنا أمام سؤال واحد: ماذا نريد من رئيس الشركة؟
إذا كنا نريده قائداً مسؤولًا عن الأداء، فعلينا أن نمنحه صلاحيات واضحة، ثم نحاسبه على استخدامها، وإذا كانت سلطته محدودة بحكم طبيعة الشركة، فيجب أن تكون حدود دوره ومسؤوليته معلومة، وألا نحمله تبعات قرارات يملكها غيره.
وقبل البحث عن أسماء جديدة لرئاسة الشركات، نحن بحاجة إلى مراجعة ما نمنحه لهذه الأسماء من أدوات، فتغيير الأشخاص وحده لن يعالج بطء القرار، ولن يعيد التوازن مع الشريك، ولن يصنع دورًا لمنصب أفرغناه من مضمونه.
رئيس الشركة الذي لا يملك صلاحيات كافية قد يتحول إلى واجهة تتلقى الشكاوى، وتتحمل اللوم، وتنتظر القرار، وفي النهاية تخسر الشركة وقتها وفرصها، ولا يجد أحد إجابة واضحة عن السؤال الأهم: من الذي يدير فعلًا، ومن الذي ينبغي أن يُحاسب؟
#المستقبل_البترولي #عثمان_علام