الأحد 01 نوفمبر 2026 الموافق 21 جمادى الأولى 1448

يا وزير البترول..السويس تنتظر عيد البترول بعد أن أنصفت أبو رديس العام الماضي

119
المستقبل اليوم

هناك أماكن نذهب إليها لنحتفل، وأماكن يصبح الاحتفال فيها وفاءاً لتاريخها، ومنطقة السويس البترولية تستحق أن يقام فيها عيد البترول، ففي هذه البقعة بدأت حكاية التكرير المصري، وتعاقبت أجيال من العاملين الذين بنوا الصناعة، وتحملوا أعباءها، وعاشوا أصعب اختباراتها حين أصبحت المصانع على خط النار.

ولهذا، أرجو من المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، بأن يكون الاحتفال بعيد البترول المقبل من قلب منطقة السويس البترولية، وسط عمالها ومهندسيها وفنييها، وبحضور روادها وأسر من رحلوا من أبنائها، فهذه المنطقة تستحق أن يتصدر اسمها المشهد، وأن يعرف شباب القطاع ماذا جرى على أرضها، وكيف أسهمت في بناء صناعة تقوم عليها حياة المصريين.

لقد كانت للوزير فراسة القائد العام الماضي، حين اختار الاحتفال بعيد البترول وسط العاملين في حقول أبو رديس، بعد مطالبة شخصية وجهناها إليه عبر المستقبل البترولي و حكاوي علام، وقد حمل اختياره تقديرًا لقيمة هذا المواقع وأبنائه، وإدراكًا لأهمية أن يذهب المسؤول إلى العاملين، ويشاركهم المناسبة في المكان الذي يبذلون فيه جهدهم ويتحملون مسؤولياتهم.

واليوم، نطالبه ونرجوه بأن تكون الوجهة منطقة السويس البترولية، التي تحمل صفحات من تاريخ الصناعة المصرية تستحق أن تُقرأ، وأسماء تستحق التكريم، وتجربة وطنية تستحق أن تتناقلها الأجيال.

ولمن لا يعرف، في عام 1911، وُضع حجر الأساس لأول معمل لتكرير البترول في مصر بمدينة السويس، تابعًا لشركة آبار الزيوت الإنجليزية المصرية، التي أصبحت فيما بعد النصر للبترول، وبدأ التشغيل عام 1913، أي أن هذه الأرض عرفت صناعة التكرير قبل أكثر من مائة عام، وكانت منطلقًا مبكرًا لبناء الخبرة المصرية في تحويل الخام إلى منتجات تحتاجها البلاد.

ثم اتسعت الحكاية بإنشاء معمل تكرير البترول الأميري الحكومي، الذي ارتبط به تاريخ شركة السويس لتصنيع البترول، ووفقًا لذاكرة وزارة البترول، بدأ إنشاء المعمل عام 1922، ودخل التشغيل عام 1923 لتكرير خام الإتاوة الذي كانت تحصل عليه الحكومة، وهكذا ترسخت على أرض السويس قاعدة صناعية اتسعت مسؤولياتها مع اتساع احتياجات الدولة.

ومن حول المعامل تشكلت حياة، ونشأت خبرات، وانتقلت المعرفة من جيل إلى جيل، فالتاريخ تصنعه سواعد الناس وعقولهم، ووراء كل وحدة إنتاج عامل يتابع، وفني يصون، ومهندس يتحمل مسؤولية القرار، وأسر تنتظر عودة أبنائها من الورديات، وهؤلاء جميعًا شركاء في حكاية السويس البترولية.

ومع اتساع الدور الوطني في إدارة الصناعة، أُنشئت الهيئة العامة لشؤون البترول في مارس 1956، وكان من اختصاصاتها إدارة معمل التكرير الحكومي والمنشآت العامة المرتبطة بالمواد البترولية ومشتقاتها، وفي عام 1964، جرى تأميم شركة آبار الزيوت الإنجليزية المصرية، وتغير اسمها إلى النصر للبترول، لتبدأ فصلًا جديدًا من تاريخها تحت الإدارة الوطنية.

وحين جاءت الحرب، دفعت المنطقة ثمن موقعها وأهميتها، حيث تعرضت منشآت النصر للبترول للاعتداءات والحرائق، واستمر الإنتاج في ظروف بالغة الصعوبة، حتى تقرر نقل النشاط إلى الإسكندرية في مارس 1969، وانتقلت معدات ومشروعات إلى العامرية، لتصبح تلك المرحلة جزءًا من تاريخ بناء قاعدة بترولية أخرى خارج السويس.

لقد تركت الحرب أثرها على خريطة صناعة التكرير في مصر، واتجهت الدولة إلى نشر المعامل جغرافيًا، وشُغلت معامل القاهرة والعامرية وطنطا لتقليل تركز الصناعة في منطقة السويس، وهذا يكشف حجم ما كانت تمثله هذه البقعة، ومدى تأثير ما تعرضت له على قرارات الدولة الصناعية، وبعد انتصار أكتوبر، بدأت رحلة العودة وإعادة التعمير.

وتشير سجلات جمعية البترول المصرية إلى بدء إعادة تعمير معمل النصر بالسويس عام 1974، ولك أن تتخيل معنى أن يعود العامل إلى منشأة أضرتها الحرب، ليشارك في إصلاحها واستعادة قدرتها على العمل، حتماً مسؤولية تحتاج إلى إيمان بالمكان، وإصرار على أن تقوم المصانع من جديد.https://youtu.be/5yOHqFSqWHo?si=

هذه الرحلة، من التأسيس إلى الإنتاج، ومن الحرب إلى إعادة البناء، تمنح السويس مكانة تستوجب التقدير، وعندما نطالب بإقامة عيد البترول فيها، فإننا نطالب بأن يكون تاريخ القطاع حاضرًا في احتفاله، وأن تقف الأجيال الجديدة أمام التجربة التي ورثتها، وتعرف قيمة ما صنعه السابقون.

يا وزير البترول..
كما ذهبت العام الماضي إلى أبناء الحقول في أبو رديس، نأمل أن تذهب هذا العام إلى أبناء المنطقة البترولية بالسويس، إلى الذين يعملون اليوم، وإلى الرواد الذين أفنوا أعمارهم فيها، وإلى أسر من رحلوا وتركوا وراءهم سيرة عمل وعطاء.

إن الاحتفال هناك سيقول للعامل الذي أمضى عمره بين الوحدات والمستودعات إن جهده حاضر في ذاكرة القطاع، وإن الوفاء يمتد إلى ما بعد مغادرته موقع العمل، وسيمنح الشباب فرصة للاقتراب من تاريخ مهنتهم، والتعرف إلى رجال ونساء حملوا المسؤولية قبلهم.

وأتمنى أن يتسع اليوم لاستعادة هذه الذاكرة، تُعرض فيه صور البدايات، وتُروى شهادات من عاصروا الحرب وإعادة التعمير، ويُكرَّم قدامى العاملين وأسر الراحلين، وتُوثَّق أسماء أصحاب الأدوار التي بقيت بعيدة عن الأضواء، فكثير من تاريخ الصناعة محفوظ في صدور أبنائها، ومع مرور السنوات قد نفقد شهادات لا يمكن تعويضها.

وأقترح أن تخرج من الاحتفال مبادرة لإنشاء معرض دائم لذاكرة المنطقة البترولية بالسويس، يجمع الوثائق والصور والمعدات القديمة وشهادات العاملين، ويكون متاحًا لشباب القطاع وطلابه، فمن حقهم أن يروا كيف بدأت الصناعة، وكيف تطورت، وما الذي تحمله السابقون كي تستمر.

السويس لديها ما تقدمه لهذا العيد: تاريخ البدايات، وتجربة الصمود، ومشقة العودة، وعطاء العاملين الممتد عبر العقود، وهي تستحق أن تُزار مصانعها، وأن يُستمع إلى أبنائها، وأن تحظى بمناسبة تليق بقيمتها في وجدان القطاع.

يا بشمهندس كريم، كانت لك فراسة القائد حين احتفلت في أبو رديس، ونتطلع إلى قرار يحمل المعنى نفسه في السويس، تقديرًا للمكان، واعتزازًا بالتاريخ، ووفاءً للناس.

خذوا عيد البترول إلى السويس.. فهذه البقعة تستحق الاحتفال، وأهلها يستحقون الوفاء.
#المستقبل_البترولي 
#حكاوي_علام
#عثمان_علام




تم نسخ الرابط