الإثنين 02 نوفمبر 2026 الموافق 22 جمادى الأولى 1448

تدوير القيادات..لماذا يتم تجميدهم فى مكان واحد؟

96
المستقبل اليوم

مصطلح التدوير هو مصطلح سياسي في المقام الأول يعتمد على نوعية الشخصيات المؤهلة علمياً وثقافياً، وتستطيع أن تتوافق وتندمج مع احتياجات المجتمع، وبالتالي يمكن لها أن تشغل منصباً آخر يختلف عن منصبها الأول، وهذا هو المعنى الأولي للتدوير.

دعونا نعرض المعنى ببساطة أكثر، فمثلاً تراه في صورة مسؤول كبير في الإدارة المحلية، ثم تجده وقد انتقل إلى منصب تنفيذي آخر في الزراعة، أو مسؤول بنكي كبير يصبح مسؤولاً عن السياحة أو التجارة، هذه مجرد أمثلة لما هو سائد في الحياة السياسية بشكل عام، ولكن هل يصح هذا النظام في الحياة الوظيفية؟ وهل يمكن أن يُعتبر حلاً لكثير من المشاكل التي تنشأ عن طول البقاء في المنصب أو التخصص الواحد، وما يتبع ذلك من تجمد الأفكار والسير على قضبان حديدية قاسية لا تقبل المرونة أو الابتكار مهما كانت الظروف وحجم المشاكل؟

هي أسئلة يجب أن تُناقش بموضوعية وبدون الدخول في تفاصيل تفرغ موضوع النقاش من أهميته ومضمونه والغرض منه.

تدوير القيادات في أبسط أشكاله، ليكون عند فهم القارئ، هو عملية إدارة الكوادر على عموم القطاعات والأنشطة المختلفة، فالمسؤول في البتروكيماويات يتولى منصباً في إيجاس، وآخر في الهيئة يذهب إلى البتروكيماويات، ومن يعمل في مصر للبترول يمكن أن يكون في عجيبة غداً، وهكذا.

وقبل أن تنطلق الاعتراضات وتتهم الموضوع بعدم القدرة على احترام التخصصية، وأن مثل هذا النوع من التحركات سيشعل الفوضى، كل ذلك نتوقعه لأن الموظف دائماً لا يسعى للتغيير أو المجازفة، مثل هذا التدوير لا ينطبق على أنماط من الموظفين العادية، وإنما هي موجهة إلى القيادات العليا في المقام الأول.

المحور الفني في هذه الحالة يكون عاملاً مساعداً بلا شك، ولكن الجانب الأكبر يعتمد على الخبرة المعلوماتية في كل أوجه الصناعة، والقدرة على استيعاب التغيرات العالمية حتى لو كانت في غير تخصصه، القيادة هي خليط من السياسة والاقتصاد والعلم والتجارة والتعامل مع الرأي العام وعوامل جذب وشد كثيرة، بكل هذا تتبلور الشخصية القيادية مثلها مثل الشخصية السياسية.

هذه هي نوعية الشخصيات التي تتمحور حولها الأحداث، ولكن للأسف أصبح أغلبها يتجمد في مكان واحد، ويظل في حالة من السكون حتى يُفاجأ بوصوله إلى محطة التقاعد، فيغادر القطار ويذهب كلٌّ إلى حال سبيله في خسارة للطرفين، نحن نخسر كثيراً من تطبيق سياسة المقعد الواحد والخط الوظيفي الواحد، ومن ثم نعاني من عدم وجود البديل أو من يستطيع إكمال المسيرة، لأن مثل هذا النظام لا يفرز صفاً ثانياً من بعده.

تدوير القيادات ليست عملية نقل روتينية من مكان لآخر أو من شركة لشركة، ولكنه تغيير مسار كامل ونظام له حبكته الخاصة ودراساته التي تعتمد على وجود معلومات واضحة وتفصيلية عن كافة القيادات وقدراتهم العلمية والشخصية والبدنية.

نظام التدوير هو نظام إداري وسياسي معروف في العالم كله، ويُظهر كفاءات وشخصيات مميزة عند توليها منصباً ربما رأى البعض أنه ليس مناسباً له وخبراته السابقة، ومن ثم تجد المفاجأة. هذا النظام ليس لمجرد التغيير، وإنما هو محاولة لإسباغ الوظيفة بالتجربة وتقييم نتائجها على أرض الواقع.

نعرف يقيناً أننا شعب يجيد فن التحنيط من آلاف السنين، وهذا نوع من ثقافاتنا المتجذرة، ولن نقبل التغيير بسهولة مهما كانت دوافعه أو أهميته، ولكن يجب أن يكون من بيننا من يجعلنا نتغير، وأن يزرع روح المغامرة في أرض ساكنة، ونجرب، فلم يعد لدينا ما نخسره مجدداً.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط