وائل عطية يكتب: تقرير ريستاد إنيرجي…شهادة دولية لكريم بدوي
في توقيت بالغ الدلالة صدر تقرير مؤسسة ريستاد إنيرجي (Rystad Energy) في ١٢ ديسمبر ٢٠٢٥ ليضع استراتيجية المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتداول الغاز الطبيعي تحت مجهر التحليل الفني والاقتصادي. التقرير لا يتعامل مع ما يجري في قطاع الغاز باعتباره استجابات ظرفية أو إجراءات قصيرة الأجل، بل يقرأه باعتباره عملية إعادة ضبط هيكلي تستهدف استعادة الثقة الاستثمارية وتعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي والبنية التحتية وترسيخ دور مصر كمحور طاقة في شرق المتوسط.
نادرًا ما تحظى السياسات الحكومية في قطاع بالغ الحساسية كقطاع الغاز الطبيعي بتقييم دولي إيجابي صريح خارج نطاق المجاملات الدبلوماسية أو البيانات البروتوكولية المعتادة. إلا أن تقرير ريستاد إنيرجي كسر هذا النمط وقدم ما يمكن اعتباره شهادة مهنية مستقلة على مسار إدارة الدولة لملف الغاز في واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا خلال العقد الأخير.
وقد اكتسب التقرير وزنًا سياسيًا واقتصاديًا مضاعفًا بعدما استعرض وزير البترول والثروة المعدنية مضمونه أمام اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥ باعتباره تقييمًا دوليًا محايدًا صادرًا عن إحدى أكثر مؤسسات أبحاث الطاقة تأثيرًا عالميًا.
وتُعد ريستاد إنيرجي من أبرز بيوت الخبرة المستقلة في مجال أبحاث الطاقة تعتمد على تقاريرها الحكومات وشركات البترول العالمية وصناديق الاستثمار والبنوك الدولية. وتمتاز تحليلاتها بدمج البيانات الفنية بالرؤية الاقتصادية والجيوسياسية ما يجعل تقاريرها بوصلة للأسواق أكثر منها مجرد توصيف للحظة الراهنة.
من هنا تتضح دلالة التقرير... فهو لا يمنح إشادة مجانية ولا يكتفي بالنقد المجرد، بل يقرأ المشهد كما هو ويقر بأن الدولة المصرية انتقلت فعليًا من إدارة الأزمة إلى إدارة المنظومة.
لسنوات ظلت فكرة - تحول مصر إلى مركز إقليمي لتداول الغاز - محل جدل تتأرجح بين طموح سياسي مشروع وواقع سوقي معقد. تقرير ريستاد إنيرجي يخرج بهذه الفكرة من دائرة الشعارات ويضعها في إطار تحليلي واقعي قائم على البيانات إذ لا ينطلق من الجغرافيا وحدها، بل يربط الدور الإقليمي بسلسلة مترابطة من القرارات: تسوية المديونيات وإعادة هيكلة العلاقة مع الشركاء وتحسين مناخ الاستثمار وتوظيف البنية التحتية القائمة بأقصى كفاءة ممكنة.
أحد أهم عناصر القوة في التقرير هو اعترافه الصريح بأن مصر واجهت تحديات حقيقية من تراجع إنتاج بعض الحقول المتقادمة إلى ضغوط الطلب المحلي وتقلبات سوق الطاقة العالمية. غير أن التقرير يرى أن التعامل مع هذه التحديات جرى بعقلية الواقعية الاقتصادية لا منطق الإنكار أو التأجيل.
فالتحول إلى مركز لتداول الغاز لا يعني اكتفاءً ذاتيًا دائمًا ولا تصدير الغاز بأي ثمن، بل يعني امتلاك القدرة على إدارة التدفقات: إنتاجًا واستيرادًا وإعادة تصدير وفق معادلة دقيقة تجمع بين منطق السوق والربحية ومتطلبات الأمن القومي. وهي نقطة يلتقطها تقرير ريستاد إنيرجي بوضوح لافت.
ويبقى السؤال الأهم: لماذا قد يهتم المستثمرون بهذا التقرير؟
من منظور استثماري بحت، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في محدودية الموارد، بل في غموض الرؤية. تقرير ريستاد إنيرجي يبعث برسالة مباشرة إلى الأسواق مفادها أن هناك رؤية واضحة واتساقًا نسبيًا بين السياسات والقرارات وإدراكًا رسميًا لقواعد اللعبة العالمية في سوق الغاز. وهو ما يفتح الباب أمام شركات التداول لعقود أكثر مرونة تستفيد من موقع مصر كبوابة بين شرق المتوسط والأسواق الأوروبية ويشجع مستثمري البنية التحتية على إعادة تقييم فرص التخزين وإعادة التغويز وربط الشبكات فضلًا عن شركات الخدمات التي تترقب عودة نشاط الحفر والاستكشاف، لا كمغامرة عالية المخاطر، بل كجزء من مسار مدروس.
اللافت أن التقرير رغم طابعه الفني يحمل بعدًا سياسيًا غير مباشر. فاعتراف مؤسسة دولية مستقلة بسلامة الاتجاه العام لإدارة ملف الغاز يعني أن مصر لا تتحرك في فراغ ولا تراهن على ظرف إقليمي عابر، بل تبني موقعها على مزيج متوازن من الجغرافيا والبنية التحتية والانضباط المؤسسي.
وهنا تتجلى أهمية استعراض التقرير أمام مجلس الوزراء إذ لا يتعلق الأمر بقطاع منفصل، بل بمنظومة اقتصادية أوسع يصبح فيها الغاز أداة استقرار وتنظيم للاقتصاد لا مجرد سلعة تصديرية.
وخلاصة القول ... إن تقرير ريستاد إنيرجي لا يمنح صك نجاح نهائي لكنه يقدم ما هو أهم: تأكيد أن المسار صحيح وإن كان لا يزال طويلًا. وفي عالم الطاقة حيث تُقاس السياسات بعقود لا بسنوات تمثل هذه الشهادة الدولية المستقلة رصيدًا سياسيًا واقتصاديًا لا يمكن تجاهله.
ويبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على الاتساق بين الرؤية والتنفيذ لأن التحول إلى مركز إقليمي لتداول الغاز ليس لحظة احتفال، بل عملية ممتدة لا تحتمل التراجع ولا تعيش على الشعارات.