مروه عطيه تكتب عن ذكرى عيد الشرطة… حين كتبت الإسماعيلية سطرًا خالدًا في تاريخ الكرامة المصرية
في الخامس والعشرين من يناير من كل عام، لا تستدعي الذاكرة المصرية مجرد مناسبة رسمية، بل تعود إلى لحظة فارقة اختلط فيها الدم بالكرامة، والسلاح بالإرادة، والواجب الوطني بأسمى معاني الشرف. إنها ذكرى عيد الشرطة، المرتبطة بأحداث الإسماعيلية عام 1952، حين وقف رجال الشرطة المصرية في مواجهة واحدة من أقسى صور الاستعمار البريطاني، دفاعًا عن الوطن، ورفضًا للإذلال.
سياق تاريخي ملتهب
جاءت أحداث الإسماعيلية في زمن كانت فيه مصر تعيش تحت وطأة الاحتلال البريطاني، رغم مرور عقود على ثورة 1919، ورغم توقيع معاهدة 1936 التي قنّنت الوجود العسكري البريطاني في منطقة قناة السويس. ومع تصاعد الحركة الوطنية في الأربعينيات وبداية الخمسينيات، تحولت مدن القناة — وعلى رأسها الإسماعيلية — إلى بؤر مقاومة شعبية، تلاحمت فيها جهود الفدائيين مع دعم غير مباشر من بعض عناصر الشرطة.
هذا المناخ المتوتر جعل الوجود البريطاني في القناة عبئًا سياسيًا وأمنيًا، ودفع سلطات الاحتلال إلى محاولة كسر شوكة المقاومة، ليس فقط بملاحقة الفدائيين، بل بمحاولة إخضاع جهاز الشرطة المصرية نفسه.
يوم المواجهة: 25 يناير 1952
في صباح ذلك اليوم، حاصرت القوات البريطانية مبنى محافظة الإسماعيلية وثكنات الشرطة، وطالبت رجال الشرطة بتسليم أسلحتهم وإخلاء المبنى، بحجة تعاونهم مع الفدائيين. كان الطلب في ظاهره إجراءً أمنيًا، لكنه في جوهره كان اختبارًا للكرامة والسيادة.
جاء الرد المصري حاسمًا: الرفض.
رفض رجال الشرطة أن يسلموا سلاحهم، لا عن تهور، بل عن وعي بأن السلاح هنا لم يكن مجرد أداة، بل رمزًا للسيادة الوطنية. ومع هذا الرفض، بدأ الهجوم البريطاني العنيف، مستخدمًا الدبابات والمدفعية الثقيلة ضد مبانٍ لا تضم سوى رجال شرطة بأسلحة خفيفة.
بطولة غير متكافئة
استمرت المواجهة ساعات طويلة، سقط خلالها خمسون شهيدًا من رجال الشرطة، وأصيب العشرات، بينما ظلوا ثابتين في مواقعهم حتى نفدت ذخيرتهم. لم تكن معركة عسكرية بالمعنى التقليدي، بل كانت معركة إرادة، أثبتت أن الوطنية لا تُقاس بتوازن القوة، بل بصدق الموقف.
تحولت الإسماعيلية في ذلك اليوم إلى شاهد حي على أن جهاز الشرطة المصري لم يكن يومًا مجرد أداة تنفيذ، بل كان — في لحظات تاريخية فاصلة — جزءًا أصيلًا من حركة التحرر الوطني.
الأثر الوطني والسياسي
لم تمر أحداث الإسماعيلية مرور الكرام. فقد أشعلت غضبًا شعبيًا واسعًا في أنحاء مصر، كان من نتائجه المباشرة اندلاع حريق القاهرة في اليوم التالي، وما تلاه من تسارع الأحداث السياسية التي مهدت الطريق لسقوط النظام الملكي بعد أشهر قليلة، وقيام ثورة 23 يوليو 1952.
هكذا، لم تكن معركة الإسماعيلية نهاية، بل بداية لمرحلة جديدة في التاريخ المصري الحديث، أكدت أن الاستعمار — مهما امتلك من قوة — لا يستطيع أن ينتصر على أمة قررت أن تقول «لا».
عيد الشرطة… ذاكرة وطن
حين نحتفل اليوم بعيد الشرطة، فإننا لا نحتفي بمؤسسة فقط، بل نستدعي ذكرى رجال أدوا واجبهم في لحظة امتحان حقيقي، وقدموا أرواحهم ليظل الوطن مرفوع الرأس. إنها ذكرى تذكّرنا بأن التاريخ لا يُكتب دائمًا في القصور أو على موائد السياسة، بل كثيرًا ما يُكتب في مواقع الصمود، حيث يقف رجال عاديون ليصنعوا لحظة استثنائية.
وفي كل عام، تبقى الإسماعيلية — مدينة القناة والمقاومة — حاضرة في الوجدان المصري، شاهدة على يوم اختار فيه رجال الشرطة أن يكونوا في صف الوطن… مهما كان الثمن