الأحد 08 فبراير 2026 الموافق 20 شعبان 1447

سلعة النفط عادت إلى ساحة السيطرة السياسية

71
المستقبل اليوم

 

لم يكن النفط تلك السلعة التي نحصل عليها بأي وسيلة، والتي نصنع منها الوقود اللازم كي تسير مواتير الحياة من حولنا، ولكن هو التأثير الذي ليس له حدود، فهو عصب الاقتصاد العالمي، وعنصر حاسم في القوة العسكرية، وأداة نفوذ سياسي على الدول الصناعية والنامية على حد سواء. وقد ظلت تلك الحقيقة إلى وقتنا الحالي، بالرغم من التحول الطاقي ومتغيراته من الدخول في استراتيجيات الطاقة المتجددة والأكثر استدامة، التي تسعى إلى تطبيقها معظم الدول المستوردة للنفط، وأيضًا الدول النامية التي ليس لديها المقدرة المالية على استمرار الاستيراد، الذي يفاقم من سوء حالتها الاقتصادية.

ويبدو أن المتغيرات لمعادلة تأثير النفط سياسيًا، والتي تتحكم الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من قرن من الزمن في تطبيقها على كل قارات العالم، أصبحت أعمق بكثير من قبل، ويظهر هذا في القرارات الأخيرة التي أعلنها الرئيس الأمريكي رونالد ترامب في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلستها السابقة، والتي صرح فيها أن الطاقة المتجددة والخضراء إنها مزحة وغير فعالة، وقال إن السياسات التي تعتمد على الطاقة النظيفة ترهق الاقتصادات (كما ذكر في حديثه)، وأن الانبعاثات الكربونية، ووصف البصمة الكربونية بأنها خدعة من قبل أشخاص جعلوا منها قضية سياسية، وركز على أهمية الاعتماد على النفط والغاز والفحم، وشجع شركات النفط الأمريكية على زيادة عمليات الحفر والاستخراج وإنتاج النفط، وهنا سياسة أمريكية متغيرة عما كانت عليه خلال العشر سنوات السابقة.

وبعد بحث عميق فيما بين المهتمين بأخبار البترول والغاز عالميًا، أتصور أن السبب الرئيسي الذي جعل الرئيس الأمريكي يقول عن الطاقة المتجددة خلال الـ ١٠ سنوات الماضية بأنها خدعة وفخ، إلا وهو أن التصرف الأمريكي في تلك الفترة كان يسعى إلى آلية تقليل الاعتماد العالمي على استهلاك الوقود الأحفوري، أملًا في أن تصل أمريكا إلى قدرات التخزين الفيدرالية المطلوبة، وكذلك البقاء على أسعار النفط في حيز التحكم، كي تتراوح ما بين ٦٠ إلى ٨٠ دولارًا، لكي تحافظ على شغف شركات النفط الأمريكية في استمرار إنتاجها من النفط الصخري المكلف.

لكن النهج الجديد في السياسة الأمريكية التي سوف تنتهجها في معادلة النفط في السنوات القادمة، كما بدأتها بإحداث السيطرة العسكرية على فنزويلا، واستخدام القوة في عدم استقرارها من أجل الحصول على نفطها دون غيرها من الصين وروسيا وإيران، وأنها ستطبق تلك النظرية على الفناء الخلفي لها من دول أمريكا الشمالية والجنوبية، وسعيها كي تمنع الاستثمارات النفطية لدول الصين والهند وروسيا، الممثلين لمجموعة اقتصاد البريكس (الذي يسعى لمقاومة تمدد الدولار عالميًا)، وبهذا تحافظ على التفرد المالي العالمي القائم على الدولار في تجارة النفط، وهناك الكثير من الدول سوف تسعى الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة عليها سياسيًا من أجل بوابات النفط فيها.

ومن هنا نريد أن نصل برسالة إلى الدول التي لديها مستويات عجز من إنتاج النفط محليًا، كما هو الحال في مصر وكثير من الدول الأوروبية والآسيوية، ألا وهو أن الاعتماد على النفط سيظل سياسة ممنهجة للاقتصاد العالمي المرتبط بالدولار، والذي يهدف إلى أن هناك نمطًا غربيًا لامتلاك أو ابتزاز أو استعمار الدول الغنية بالنفط، وأن الدول المستوردة لا بد أن تخضع إلى سياسة الولاء إذا أرادت أن تحافظ على استمرار دعمها بالنفط ودعم اقتصادها بالدولار.

ولذا يتوجب علينا كمصريين إما الذهاب إلى استثمارات بترولية محلية أو دولية في الدول القريبة منا، وأن نسعى أيضًا إلى اعتماد استثمار نفطي من أموال محلية، سواء حكومية أو قطاع خاص محلي، في مناطق ما زالت بكرًا، كمناطق الصحراء الغربية وخليج السويس والصحراء الشرقية، والتي ما زالت لم تبح بما في باطنها من بترول خام أو غاز. كما أن تخزين النفط بكميات إلى أكثر من ٦ أشهر على الأقل، قادر أيضًا على توفير ما تحتاجه البلاد.

إن السعي للحفاظ على الاقتصاد المصري وحمايته من أي تخبطات، سواء الاحتياج من تدابير العملة الصعبة للاستيراد أو الاقتراض لمنع نقص إمدادات الطاقة الأحفورية (أنواع الوقود)، تلك الأسباب التي عانى منها الاقتصاد وتسببت في مستويات العجز العالية، والتي تمثل من الأسباب الأساسية في الاقتراض…
وإلى تكملة قادمة.




تم نسخ الرابط