الأحد 01 مارس 2026 الموافق 12 رمضان 1447

لطائف وقطائف...سمير زايد (11)

58
المستقبل اليوم


﴿لطيفة لغوية﴾
الحقيقة تبدأ بسؤال، والسؤال هو مفتاح الحكاية. قاعدة “الأسئلة الخمسة” ليست مجرد تقنية مهنية، بل هي أشبه بمصباحٍ يُضيء الطريق أمام القارئ ليبصر الحدث في صورته الكاملة: ماذا حدث؟ من المعني؟ أين وقع؟ متى كان؟ ولماذا؟ ثم يأتي “كيف؟” ليكشف خيوط التفاصيل ويُنسج منها سياقًا حيًّا نابضًا.

هذه الأسئلة ليست ترفًا، بل هي الحد الأدنى الذي يمنح الخبر صدقه ووزنه. فخبر بلا “ماذا” يظل غامضًا، وخبر بلا “من” يفتقد الروح، وخبر بلا “أين” يتيه في الفراغ، وخبر بلا “متى” يذوب في الزمن. أما “لماذا”، فهي القلب الذي يمنح القصة معناها، ويحوّلها من سردٍ جامد إلى رؤيةٍ تُقنع وتؤثر.

من: وذلك لتحديد نوعية الجمهور المستهدف، بمعنى من هو الجمهور المستهدف؟ أو من هو الجمهور المستفيد من كتابة ذلك المحتوى؟

ماذا: وذلك لاختيار موضوع المحتوى، بمعنى ماذا سأكتب الآن؟ أو ماذا يحتاج القارئ في الوقت الحالي؟

متى: وهي للتعريف بوقت حدوث موضوع المحتوى، بمعنى متى حدث هذا؟ أو متى حدثت القصة أو الخبر الذي تقوم بنقله من خلال المحتوى؟ وتُستخدم أيضًا في تحديد وقت نشر المحتوى، بمعنى متى يجب أن أنشر ذلك؟ أو متى يفترض أن يقرأ القارئ هذا المحتوى؟

لماذا: وذلك لعرض الأسباب، سواء أسباب كتابة هذا المحتوى، مثل لماذا يجب على القارئ أن يقرأ هذا المحتوى؟ أو عرض أسباب حدوث موضوع المحتوى، مثل لماذا حدثت تلك القصة؟ أو لماذا تم الأمر على ذلك النحو؟

أين: وتُستخدم إما لعرض مكان حدوث القصة، مثل أين حدث ذلك؟ أو أين تم هذا الأمر؟ أو لتحديد مكان نشر ذلك المحتوى بناءً على الجمهور المستهدف، مثل أين يمكن نشر ذلك؟ أو أين يمكنني استخدام ذلك؟

ولعل أروع تجلٍّ لهذه القاعدة نراه في النص القرآني، حيث يُقدَّم الوحي العظيم في آية واحدة من سورة البقرة خلاصة القاعدة الصحفية ذاتها، لكن بلغة إلهية معجزة:

• من: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا” – نداء يحدد المخاطَب بوضوح.
• ماذا: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ” – إعلان الحدث في صياغة موجزة حاسمة.
• لماذا: “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” – الغاية والهدف، روح التشريع.
• متى: “أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ” – تحديد الزمن بدقة وإيجاز.
• أين: “وَأَنْتُمْ مُقِيمُونَ صِحَاحًا” – شرط المكان والحال.

هكذا، في كلمات معدودة، يُقدِّم النص القرآني درسًا خالدًا في فن صياغة الرسالة: وضوحٌ لا لبس فيه، اختصارٌ لا يُخلّ بالمعنى، وبلاغةٌ تُحاكي القلوب والعقول معًا. إن الصحافة، حين تلتزم بهذه القاعدة، إنما تسير على خطى البيان القرآني، حيث تُصاغ الحقائق في أبهى صورة، وتُقدَّم للمتلقي بصدقٍ وإشراق.




تم نسخ الرابط