رمضانيات: إفطار تحت القصف
وهذا أيضًا من أنواع الإفطار التي تتميز بها منطقتنا العربية دونًا عن بلدان العالم أجمع، وهو الإفطار تحت القصف. منطقتنا تعيش في حروب مستمرة، إما أهلية عقائدية، أو بين دول الجيران بعضهم مع بعض، أو ضد قوى الاستعمار الخارجي. المهم أننا في سلسلة متواصلة من الحروب لا تنتهي.
ويأتي رمضان بلا استئذان، له موعده صيفًا أو شتاءً، ولا يعنيه إن كانت أوقات حروب أو أزمات. فهذا مثلًا ثالث عام يطل على قطاع غزة وأهلها يفطرون – إن وجدوا الطعام – على أزيز الطائرات ودوي طلقات المدافع. وها هي عواصم الدول الخليجية، لآلئ الخليج الثرية المبهرة، يُحظر على سكانها مغادرة المنزل، والإفطار تحت دوي إطلاق الصواريخ وأصوات الانفجارات.
إفطار عامر بالخوف والهلع، لم يعد فيه للطعام شهية أو طعم مهما كان نوعه وأصنافه. سماء الخليج تضيء بانفجارات الصواريخ الاعتراضية، وكأنها ألعاب نارية بملايين الدولارات تحترق في غمضة عين، ولكن ما إن تصل شظاياها إلى الأرض تصبح جحيمًا مدمرًا يتكلف ملايين أخرى لإصلاح ما دمرته.
أجواء غريبة مرعبة تعلن إنذارًا من السماء ليتذكر الناس الوجل والإيمان واللجوء إلى الله، فهو وحده المقدر الحافظ بعد أن نسيناه طويلًا.
كانت مصر من أوائل الدول التي عانت من الغارات الجوية على مر زمانها وما خاضته من حروب. كان المنادي يهتف في الشوارع: «طفّوا النور.. طفّوا النور». أيام عصيبة عاشتها مصر منذ حروب العدوان الثلاثي، وحرب ٦٧، والاستنزاف. كانت كل المدن المصرية، بما فيها القاهرة نفسها، تحت القصف.
نحن الشعب الوحيد الذي يتعامل مع الغارة الجوية وكأنها فيلم سينمائي، ويخرج ليشاهدها، وكان أمرًا في منتهى الخطورة. حتى الزعيم جمال عبد الناصر وقف على سطح منزله عام ٥٤ ليشاهد غارات العدوان الثلاثي، بل وحدد جنسية الطائرات المُغيرة، ولولا أن مساعديه أجبرُوه على النزول إلى المخبأ لكان باشر خطة الدفاع وهو في هذا الوضع.
هكذا تتوالى علينا الأيام، لا تدوم على حال، ومن كان يشاهد غارات غيره بالأمس يتعرض هو الآن للغارات، ولا ندري ماذا تخبئ لنا الأيام القادمة.والسلام،،
#سقراط