الإثنين 09 مارس 2026 الموافق 20 رمضان 1447

لطائف و قطائف… سمير زايد (١٨)

154
المستقبل اليوم

 

﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴾

تأملات في قوله تعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾
تمثل هذه الآية في سورة البقرة دستور الصيام الأسمى؛ فهي ليست مجرد نص قانوني يحدد الواجبات، بل هي نداء رباني يربط بين الزمان (الشهر)، والحدث (نزول القرآن)، والوظيفة (الصيام).
التحرير اللغوي والدلالي لمعنى "الشهود"
توقف المفسرون طويلاً عند كلمة «شهد»، ولماذا لم يقل الله "من جاءه الشهر" أو "من رأى الشهر"؟
بين الحضور والرؤية: ذهب جمهور المفسرين (كالطبري والبغوي) إلى أن "شهد" هنا بمعنى "حضر"؛ أي كان مقيماً في الحضر ولم يكن مسافراً. لكن الزمخشري في "الكشاف" يضيف لفتة بلاغية، وهي أن "الشهود" يقتضي العلم واليقين، فمن علم بدخول الشهر يقيناً فقد شهده.
المجاز في "الشهر": يذكر ابن عاشور أن الشهر هو اسم للزمان الممتد، والزمان لا يُشهد بالعين وإنما تشهد علاماته (الهلال)، فاستخدام كلمة "الشهر" هنا لتعميم الوجوب على كامل الثلاثين يوماً، وليس فقط لحظة البداية.
نظرات المجددين: الشعراوي وابن عاشور
لم يقف التفسير عند حدود النقل، بل غاص المفسرون المعاصرون في أسرار النظم القرآني لاستخراج لآلئ جديدة تُناسب وعي العصر، ومن أبرزهم:
الشيخ محمد متولي الشعراوي: "الشهود" كإعلان للانتماء
يرى الشيخ الشعراوي أن قوله تعالى «فَمَنْ شَهِدَ» يحمل لمحة إيمانية دقيقة؛ فـ "الشهود" لا يعني مجرد الوجود المادي، بل هو الإقرار بفضل الزمان.
عطاء الاستقبال: يقول الشعراوي إن الحق سبحانه حين قال "فليصمه" جعل الصيام هدية للمؤمن الذي شهد زمن نزول القرآن، وكأن الصيام هو "ضيافة الله" لعباده في شهر النور.
سر الفاء في "فليصمه": يوضح أن "الفاء" هنا هي فاء الجزاء والسرعة، فبمجرد ثبوت الشهود يجب أن ينعقد العزم على الطاعة بلا تراخٍ، لأن الوقت وعاء للعبادة يمر ولا يعود.
الطاهر بن عاشور: دقة اللغة ومقاصد الشريعة
في كتابه "التحرير والتنوير"، يقدم ابن عاشور تحليلاً لغوياً فذاً:
معنى الحضور العلمي: يرى أن "شهد" تتضمن معنى العلم واليقين، أي من علم بدخول الشهر علماً يقينياً (سواء بالرؤية أو الخبر الصادق).
العموم والخصوص: يوضح ابن عاشور أن "مَن" في الآية للعموم، لكنها خُصصت بالقدرة؛ فالمجنون أو الصغير يشهدون الشهر زمنياً لكنهم لا يشهدونه "تكليفاً"، مما يبرز وسطية الإسلام في حصر التكليف بمن يعقل ويقدر.
بلاغة التعريف: يذكر أن تعريف "الشهر" بـ (أل) العهدية يشير إلى رمضان المذكور في صدر الآية، ليربط بين عظمة القرآن وبين وجوب الصيام، وكأن الصيام شكرٌ عملي على نعمة الهداية بالقرآن.
إن قوله تعالى «فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» ليس مجرد تكليف بترك الطعام، بل هو استنفارٌ روحي للمقيم الآمن، ليدخل في خلوةٍ جماعية مع الأمة الإسلامية، محققاً وحدة الزمان والمكان والغاية، ومنتهياً بتحقيق التقوى والشكر.
رمضان كريم




تم نسخ الرابط