لطائف و قطائف...سمير زايد (20)
﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴾
تأملات في قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ ﴾
القرآن الكريم كتاب هداية ورحمة، ومن أبرز معالمه أنه يقرر قاعدة عامة في التشريع: أن الدين مبني على اليسر لا العسر. وتأتي هذه الآية في سياق الحديث عن الصيام، لتؤكد أن الله تعالى لا يقصد من التكليف المشقة، بل يريد أن يفتح للإنسان أبواب الطاعة برحمة وتخفيف، حتى يظل قلبه حاضرًا وروحه متصلة بالله.
أولًا: المعنى اللغوي والشرعي
اليسر: السهولة والسهولة في الأداء، وهو ضد العسر.
العسر: المشقة والضيق.
فالآية تقرر أن مقصد الله من التشريع هو التيسير، وأن المشقة ليست مقصودة لذاتها، بل إذا وجدت رُفعت بالرخصة.
ثانيًا: أقوال المفسرين
قال الطبري: "إن الله جل ثناؤه إنما أمر عباده بالصيام لييسر عليهم لا ليعسر، فمن كان مريضًا أو مسافرًا فأفطر فليس عليه إثم".
وهذا يبين أن الرخصة في الإفطار ليست خروجًا عن العبادة، بل هي عين الطاعة.
قال ابن كثير: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر أي: إنما رخص لكم في الإفطار في حال المرض والسفر رحمة بكم وتيسيرًا عليكم"، فالتيسير هنا رحمة إلهية، وهو من دلائل محبة الله لعباده.
قال السعدي: "فإن الله تعالى يحب أن يشكر على نعمه، ومن أعظم نعمه أن جعل الدين ميسرًا لا عسر فيه"، فالتيسير يقود إلى الشكر، والشكر يقود إلى مزيد من القرب من الله.
ثالثًا: البعد الروحاني
هذه الآية ليست مجرد حكم فقهي، بل هي رسالة روحية عميقة , رحمة الله بالعبد: حين يضعف أو يمرض، لا يُكلف بما لا يطيق.
حضور القلب في العبادة: فالمقصود من الصيام هو التقوى، لا مجرد الجوع والعطش.
الطمأنينة النفسية: يدرك المؤمن أن الله لا يريد له العنت، بل يريد له السكينة.
التوازن بين العزيمة والرخصة: العزيمة هي الأصل، والرخصة رحمة، وكلاهما طاعة.
إن قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ يمثل قاعدة ذهبية في التشريع الإسلامي، تؤكد أن الدين رحمة، وأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وقد أجمع المفسرون على أن مقصدها رفع الحرج عن المكلفين، مما يجعلها من أعظم دلائل رحمة الله بعباده، ودليلًا على أن الإسلام دين يوازن بين الروح والجسد، بين العزيمة والرخصة، وبين العبادة والرحمة.
رمضان كريم