د•عزة سامي تكتب: ثروة غير مستغلة - العقول قبل الموارد
يُعد قطاع البترول أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد المصري، وقد أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على التعامل مع التحديات العالمية والإقليمية، نتيجة الوعي واليقظة والرؤية الاستباقية والإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة ووزارة البترول مبكرًا، من تطوير البنية التحتية وتدعيم منظومة الإمدادات والتعامل مع الأزمات، والاستعانة بسفن التغييز، لتأمين احتياجات السوق المحلي من المنتجات البترولية وغيرها..
لكن خلف هذه الإنجازات الكبيرة، يقف مورد لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو البنية التحتية، بل ربما يفوقها قيمة وتأثيرًا: الموارد البشرية. فـالاستثمار في العقول يتسق مع توجه الدولة نحو التحول الرقمي وتعزيز القدرة التنافسية عالميًا.
في قطاع البترول المصري عقول لامعة من مهندسين وفنيين وإداريين خلف الأضواء، يمتلكون خبرات متراكمة وأفكارًا قادرة على تطوير الأداء، وخفض النفقات، وابتكار حلول ومنتجات بديلة، بل ودفع القطاع إلى آفاق أوسع من التنافسية.
لكن ...
أثبتت التجارب أن كل فكرة أو مشروع ناجح رأى النور وحقق نجاحًا كان وراءه قائد متزن فكريًا، يدرك أن دعم من هم ضمن قيادته واجب يُضاف إلى مسيرته القيادية الناجحة. وفي المقابل، كثير من الأفكار أُجهضت بسبب أنماط إدارية تقليدية أو عقول محدودة ترى في نجاح الآخرين تهديدًا لها.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم:ألم يحن الوقت لاستثمار هذه العقول بشكل أوسع؟
في هذا السياق، يمكن التفكير في إطلاق مبادرة (طاقة الأفكار) لتعزيز الابتكار داخل قطاع البترول المصري تحت مظلة الوزارة، تقوم على إنشاء منصة تتيح لجميع العاملين في شركات القطاع عرض أفكارهم ومقترحاتهم التطويرية في مجالات مثل تحسين الكفاءة التشغيلية، وخفض التكاليف، وتطوير التقنيات المستخدمة في الاستكشاف والإنتاج.
ويمكن أن تتضمن المبادرة آلية واضحة لتقييم الأفكار من خلال لجان فنية متخصصة، مع تخصيص حوافز تشجيعية للمقترحات التي يتم تطبيقها بنجاح، إضافة إلى تنظيم ملتقيات دورية لتبادل الخبرات بين العاملين في شركات القطاع المختلفة. مثل هذه المبادرات تدعم استدامة القطاع وتعزز قدرته التنافسية.
وتتفق هذه الرؤية مع ما تؤكده الأدبيات الإدارية حول أهمية الاستثمار في رأس المال البشري، كما في نظريةHuman Capital Theory التي قدمها الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل Gary Becker.
الفرق يصنعه الفكر لا اللقب، والإنجاز يخلّده العطاء لا الكرسي؛ فالعقول المبدعة هي التي تضيء الطريق دائمًا لها و لغيرها.
إن قدّر الله لنا في العمر بقية، فربما لنا في الحياة لقاء .....