الثلاثاء 17 مارس 2026 الموافق 28 رمضان 1447

قصة نجاح: تأهيل غلايات الإسكندرية للبترول..بين الجرأة والإدارة الرشيدة

210
المستقبل اليوم

مما لا شك فيه أن تناول الجانب الإيجابي في العمل يمثل دائماً دوراً مهماً للصحافة في رصد قصص النجاح، وتحفيز المسؤولين على بذل المزيد من الجهود التي تقود إلى التطوير المنشود. فالصحافة لا تكتفي فقط بتسليط الضوء على المشكلات، بل تحمل أيضاً مسؤولية إبراز النماذج الإيجابية التي تثبت أن الإرادة والإدارة الجيدة قادرتان على تحقيق الإنجاز.

وفي هذا الإطار، تبرز عملية إعادة تأهيل غلايات شركة الإسكندرية للبترول كواحدة من قصص النجاح المهمة حالياً في أجندة عمل قطاع البترول. فملف الغلايات ظل لسنوات طويلة يمثل مصدر قلق حقيقي، حيث كان الإقدام على إعادة التأهيل أمراً محفوفاً بالمخاوف، الأمر الذي دفع العديد من القيادات السابقة إلى تجنب اتخاذ قرارات حاسمة في هذا الشأن، خشية أن يؤدي تنفيذ أعمال التأهيل إلى توقف الإمدادات البترولية للسوق المحلي، رغم أن الإبقاء على الغلايات دون تأهيل كان بدوره يحمل مخاطر كبيرة.

وخلال الأشهر الماضية، وفي إطار تنفيذ سياسة وزارة البترول الرامية إلى تحديث وتطوير البنية التحتية للقطاع، جاء قرار الموافقة على مشروع إعادة تأهيل الغلايات بدعم مباشر من المهندس صلاح عبدالكريم رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول، في خطوة عكست توجهاً واضحاً نحو معالجة الملفات المؤجلة والاقتراب من المشكلات المزمنة بشجاعة وحسابات دقيقة.

وتولت نيابة التكرير رعاية بروتوكول تنفيذ المشروع بين شركتي القاهرة لتكرير البترول والإسكندرية للبترول، بتكلفة بلغت 4.5 مليون دولار (مدفوعة بالجنيه المصري)، وهو ما يعد إنجازاً في حد ذاته، خاصة أن معظم الدراسات والتقديرات السابقة كانت تشير إلى أرقام تفوق هذا الرقم بنحو عشرة أضعاف.

واستهدفت أعمال الصيانة وإعادة التأهيل للغلاية الأولى رفع كفاءة التكرير، وضمان التشغيل الآمن، ودعم استقرار الإمدادات البترولية في مصفاة الإسكندرية، وهي أهداف تمثل ركائز أساسية لاستمرار عمل المصفاة بكفاءة، بما يضمن تلبية احتياجات السوق المحلي من المنتجات البترولية.

والحقيقة أن أزمة غلايات شركة الإسكندرية للبترول ليست وليدة اللحظة، بل هي ملف قديم امتد لسنوات طويلة. وعلى مدار تلك السنوات كان يتم طرح القضية بين الحين والآخر والبحث عن حلول لها، غير أن حسابات عديدة كانت تفرض نفسها على أجندة العمل، فتؤجل التدخل الحاسم في الملف، إما خوفاً من حدوث أزمة أكبر، أو هروباً من تحمل المسؤولية.

وجاء الإعلان عن مشروع إعادة التأهيل في أعقاب ورشة العمل التي عقدت بالسويس، والتي وجه بتنفيذها رئيس هيئة البترول المهندس صلاح عبدالكريم في بداية توليه المسؤولية، بهدف تعزيز التكامل بين شركات القطاع. وقد أبدى رئيس الهيئة اهتماماً كبيراً بهذه الفكرة، وكان داعماً بقوة لكل ما من شأنه تعظيم الاستفادة من إمكانيات الشركات التابعة للقطاع والعمل بروح الفريق الواحد.

وخلال الفترة الماضية، حرص رئيس الهيئة على متابعة هذا الملف بشكل مباشر، حيث طالب نائب رئيس الهيئة للتكرير المهندس وائل رزق بضرورة المتابعة الدقيقة لأعمال تأهيل غلايات الإسكندرية، وعدم الاكتفاء بالإجراءات الروتينية. ولم تقتصر المتابعة على التقارير المكتبية، بل شملت زيارات ميدانية متكررة من رئيس الهيئة ونوابه لمواقع العمل، بما يعكس جدية التعامل مع المشروع وأهميته.

وقد أثمرت هذه المتابعة المستمرة والتعاون بين شركتي القاهرة والإسكندرية لتكرير البترول عن الانتهاء من أعمال تأهيل الغلاية الأولى على أفضل ما يكون، في خطوة تمثل بالفعل قصة نجاح لكل من يعرف تاريخ أزمة الغلايات وتعقيداتها.

إن ما تحقق في هذا المشروع لا يعكس فقط نجاحاً فنياً في إعادة تأهيل إحدى الوحدات الحيوية، بل يقدم نموذجاً عملياً لكيفية إدارة الملفات الصعبة في قطاع البترول عبر الجرأة في اتخاذ القرار، والتكامل بين الشركات، والمتابعة الميدانية الجادة. وهي عناصر إذا ما استمرت بنفس النهج، يمكن أن تفتح الباب أمام تطوير العديد من معامل التكرير التي عانت لسنوات من التقادم والحاجة إلى التحديث.

وهكذا تتحول قصة غلايات الإسكندرية من ملف مؤجل ومصدر قلق مزمن، إلى نموذج نجاح يضاف إلى سجل جهود هيئة البترول في تطوير وتحديث البنية التحتية لقطاع التكرير في مصر.




تم نسخ الرابط