الأربعاء 18 مارس 2026 الموافق 29 رمضان 1447

اللي مش عاجبه الوزير ورئيس الهيئة يروح يقعد مكانهم ويورينا

856
المستقبل اليوم

في كثير من الأحيان، يبدو المشهد العام وكأننا أمام حالة جماعية من التفرج، حيث يفضل البعض إلقاء الكرة داخل الملعب من الخارج، لكن حين تتاح الفرصة ليكونوا هم القناصين، يعجزون عن تسجيل الهدف. ومن هنا خرجت الحكمة الشعبية التي تقول: “اللي على البر عوام”، بينما يغرق في شبر ماء عندما يخوض التجربة بنفسه.

هذه الحالة لا تقتصر على عموم المجتمع، بل تمتد بشكل واضح إلى المجتمع البترولي، الذي يُعد جزءًا لا يتجزأ من النسيج المصري الكبير، فداخل هذا القطاع الحيوي، تتكرر نفس الظاهرة، اتهامات جاهزة بالفشل تُلقى على عاتق القيادات، بدءًا من الوزير، مرورًا برئيس الهيئة، ثم رؤساء القوابض والشركات.

واللافت أن كثيرًا من هذه الاتهامات لا تصدر فقط من العاملين في الصفوف الأمامية، بل أحيانًا من قيادات تجلس بالفعل على كراسي المسؤولية. وهنا تبرز المفارقة الكبرى: هل من يوجه النقد قادر فعلاً على تقديم بديل أفضل؟ أم أن الأمر لا يتجاوز كونه تنظيرًا من مقاعد مريحة؟

سؤال يفرض نفسه بقوة: ماذا لو جلس أحد هؤلاء المنتقدين على كرسي رئيس الهيئة أو أحد نوابه؟
عند محاولة الإجابة بإنصاف، قد يكتشف الكثيرون أنهم عاجزون عن إنجاز نصف ما يُنجز حاليًا، أو حتى جزء يسير منه، بل إن مجرد التفكير في حجم المسؤولية يدفع البعض وأنا واحد منهم، إلى الإمساك بالورقة والقلم، ليس لتسجيل أخطاء القيادات، بل لتدوين حجم المعاناة التي يواجهونها يوميًا فوق كراسي “مفروشة بالأشواك”.

واقع القطاع البترولي ليس سهلًا، بل معقد إلى حد كبير، إنتاج يتراجع، وجهود لا تتوقف لتعويض هذا التراجع وزيادته. غاز طبيعي يتناقص، ومعركة مستمرة لزيادة الإنتاج وربط آبار جديدة، في المقابل، استهلاك كهرباء يتزايد بشكل شره، وكأنه نار تلتهم كل ما يُنتج محليًا أو يُستورد من الخارج، دون تحرك كافٍ نحو الطاقة الجديدة والمتجددة.

وفي الخلفية، يقف قطاع البترول محاولًا تدبير السيولة النقدية في صمت، دون أن يشعر به أحد. عملة غير مستقرة، وأسعار طاقة عالمية تتغير بشكل جنوني كل لحظة، عالم يموج بالصراعات: من تداعيات جائحة كورونا، إلى الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بحرب غزة، ثم التوترات بين إيران وإسرائيل، وصولًا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد وإغلاق الممرات والمضايق الحيوية.

وسط كل هذا، تُطرح التساؤلات: ماذا يفعل هؤلاء القيادات؟ ولماذا لا يتحركون؟ لكن الحقيقة أن التحرك قائم، وإن لم يكن مرئيًا للجميع، فالقيادات تعمل على مدار الساعة لضمان ألا تنطفئ لمبة في منزل، وألا تتعطل سيارة في شارع، وألا تتوقف عجلة الحياة.

ومع ذلك، لا يسلمون من النقد.
فإذا جلس رئيس الهيئة صلاح عبدالكريم في مكتبه، قيل إنه لا يعمل، وإذا قام بجولات ميدانية، قيل: “وهل الإنتاج سيزيد بالزيارات؟”، وإذا سافر الوزير كريم بدوي لفتح آفاق جديدة، قيل: “بيلف العالم دون جدوى”.
وإذا عقد اجتماعات مع الشركاء، قيل: “مجرد جلسات بلا فائدة”.

وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا نريد من هؤلاء القيادات تحديدًا؟
وهل هناك تصور واضح لما يجب أن يفعلوه؟ أم أننا أمام حالة من النقد المستمر دون بدائل حقيقية؟

إننا نعيش أيامًا ليست سهلة، وربما توصف بأنها “حالكة السواد” من زاوية اقتصادية، ورغم أن كل أيام الله خير،لكن إدارة الدول والقطاعات لا تقوم على الشعارات أو العواطف، بل على معادلات دقيقة، حيث واحد زائد واحد يساوي اثنين، وفق حسابات صارمة وظروف معقدة.

ومن ينظر بعمق، قد يلاحظ الإرهاق واضحًا على الوجوه: صحة الوزير التي تراجعت، وملامح رئيس الهيئة التي أنهكها الضغط، وتعب رؤساء القوابض ونواب الهيئة، الصورة هنا ليست رفاهية سلطة، بل ثمن مسؤولية ثقيلة.

لذلك، ربما يكون من الإنصاف أن نعيد النظر قبل إصدار الأحكام.
فالأمر ليس سهلًا كما يبدو من الخارج، ومن لا يرضى عن أداء الوزير أو رئيس الهيئة أو القيادات، ربما يكون عليه أن يسأل نفسه بصدق: هل يستطيع أن يجلس مكانهم… ويفعل الأفضل؟

#المستقبل_البترولي #حكاوي_علام




تم نسخ الرابط