هجرة مهندسي البترول.. الاغتراب هو الخيار...د عمرو الحناوي
لطالما عُرف كوادر قطاع البترول المصري في منطقة الشرق الأوسط بكونهم "العملة الصعبة"؛فهم يمتلكون مزيجاً نادراً من الجلد، والخبرة الفنية العالية، والقدرة على التعامل مع الحقول المتقادمة والتحديات المعقدة.
ولكن، خلف بريق الخوذة والأفرول في حقول "الاستكشاف والإنتاج" خصوصاَ، تدور رحى أزمة صامتة تهدد استقرار هذا القطاع الحيوي وهي هجرة الكوادر الفنية نحو الخارج.
المشكلة لا تكمن فقط في "ضعف" الأجر، بل أيضا في "ضعف القوة الشرائية" ومقارنتها بدول الجوار.
في الوقت الذي تشتعل فيه المنافسة العالمية على استقطاب الكفاءات، تجد المهندس في الشركات التابعة للهيئة يتقاضى راتباً رغم كونه مجزياً بالمعايير المحلية التقليدية ، إلا أنه يمثل كسراً ضئيلاً مما يتقاضاه نظيره في دول مثل السعودية، الإمارات، أو قطر.
هذه الفجوة لم تعد مجرد فروق طبقية، بل أصبحت عائقاً أمام بناء حياة مستقرة في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية وتذبذب سعر الصرف.
قطاع الإنتاج.. الخاسر الأكبر، فشركات الإنتاج والاستكشاف هي "القلب النابض" للقطاع، والعمل فيها يتطلب مهارات تخصصية لا تُكتسب إلا بالمران الطويل في المواقع.
فعندما يقرر مهندس بخبرة 15 سنة الهجرة، فإن الدولة لا تفقد مجرد موظف، بل تفقد استثماراً بشرياً كلفها 15 سنة من التدريب والتأهيل.
إلى جانب ضعف الأجور، تلعب بيئة العمل دوراً محورياً.
فالمهندس المصري يبحث عن بيئة تقدر كفاءته وتوفر له مساراً وظيفياً واضحاً يضمن له ولأسرته حياة كريمة.
فمع غياب التقدير المعنوي برغم تضاعف أعباء العمل وغض الطرف عن حالة عامة من الإحباط عند شريحة الإدارة المتوسطة واستمرار الفجوة السعرية بين الداخل والخارج، يتحول قطاع البترول المصري تدريجياً إلى "مدرسة تدريب كبرى" تُخرج الكفاءات ليجني ثمارها الآخرون.
والنتيجة؟ "فجوة أجيال" داخل الشركات، حيث نجد صفاً أول من الخبرات يقترب من التقاعد، وصفاً شاباً يتطلع للسفر بأسرع وقت، مع تآكل شبه كامل لطبقة "الإدارة الوسطى" الخبيرة التي تقود العمليات الميدانية.
خلاصة القول، إن الحفاظ على الريادة المصرية في قطاع الطاقة لا يمر فقط عبر الاكتشافات الجديدة أو الشراكات الأجنبية، بل يبدأ من ويرتكز على "الاستثمار في البشر" فهم من يستكشفوا وينتجوا ويعقدوا الشراكات !!
مواجهة الحقيقة والتحديد السليم للأسباب الجذرية أصبح واجبا وطنيا وليس تكرما أو تفضلا
فإعادة النظر في هيكل الأجور وربطها بالمعايير الإقليمية، أو على الأقل إعادة النظر في المزايا والبدلات المرتبطة بالإنتاج (مثل: تحديث مدخلات معادلة حساب بدل الإنتقال - فقط طبقا لسعر لتر البنزين/السولار الحالي)،
ودراسة أسباب غياب التقدير المعنوي والإحباط المنتشر بين شريحة واسعه من العاملين.
لم يعد رفاهية أو تكرم، بل هو ضرورة أمن قومي لضمان استمرار تدفق الذهب الأسود بأيدي أبنائه.
هم لا يطالبون بزيادة في المرتب أو تكريماَ عالمياَ، بل فقط وفقط تقدير أفكارهم وخبراتهم وتحديث القيم السعرية التي تحسب عليها بدلات زملائكم أثابكم الله.