وائل عطية يكتب: اختفاء مناطق بترول الصحراء الغربية
ماذا لو استيقظ قطاع البترول المصري ذات يوم ليجد أن العشرات من مناطق الإنتاج والاستكشاف قد اختفت من الخريطة؟
قد يبدو هذا السؤال أقرب إلى سيناريو افتراضي أو فكرة من الخيال الهندسي لكنه كان احتمالاً حقيقياً طُرح للنقاش والدراسة خلال السنوات الماضية مع عودة الحديث عن مشروع ملء منخفض القطارة بمياه البحر المتوسط، ففي الوقت الذي رُوّج فيه للمشروع باعتباره أحد أكبر المشروعات القومية القادرة على توليد الطاقة وإحداث نقلة تنموية في الصحراء الغربية برزت تساؤلات جوهرية حول كلفته الخفية وعلى رأسها تأثيره المحتمل على أحد أهم مناطق إنتاج البترول والغاز في مصر.
في الوقت الذي أعلنت فيه وزارة البترول والثروة المعدنية إضافة نحو ١٢ ألف برميل يومياً من الزيت الخام والمتكثفات إلى إنتاج الصحراء الغربية خلال أسبوعين فقط كانت دراسة حكومية أخرى قد كشفت حقيقة صادمة: مشروع ملء منخفض القطارة بمياه البحر المتوسط كان يمكن أن يؤدي إلى اختفاء عشرات المناطق البترولية المنتجة والاستكشافية في قلب أكبر منطقة بترول في مصر.
فقد كشفت دراسة حكومية موسعة لتقييم المشروع، نشرتها رئاسة مجلس الوزراء المصري، عن حقيقة لافتة؛ إذ أظهرت أن تنفيذه كان سيؤثر بصورة مباشرة على ٤٣ منطقة بترولية في قلب الصحراء الغربية تضم ٣٥ منطقة تنمية وإنتاج و ٨ مناطق استكشاف فضلاً عن تعقيد أعمال الحفر والتنمية وإعادة توجيه خطوط نقل البترول والغاز ورفع تكاليف الإنتاج والتأثير على جاذبية الاستثمار في أكبر قطاع منتج للبترول في مصر.
وبين مشروع كان يمكن أن يغير خريطة الطاقة في الصحراء الغربية، وواقع يؤكد أن المنطقة أصبحت الرهان الأكبر لزيادة الإنتاج وجذب الاستثمارات، تبرز تساؤلات مهمة حول القيمة الاستراتيجية لهذه المنطقة التي تنتج نحو نصف البترول الخام المصري وتقود حالياً موجة جديدة من الاكتشافات والتنمية باستخدام أحدث تقنيات الحفر والذكاء الاصطناعي.
لا يتعلق الأمر بمنطقة صحراوية عادية، بل بأكبر مركز لإنتاج البترول في مصر فوفقاً لأحدث الدراسات الإحصائية تمثل الصحراء الغربية نحو ٤٨٪ من إجمالي إنتاج مصر من الزيت الخام ٤١.٤٪ من إنتاج المكثفات و ١٩٪ من إنتاج الغاز الطبيعي ما يجعلها العمود الفقري لمنظومة الطاقة المصرية.
وخلال عام ٢٠٢٥ وحده بلغ متوسط عدد الحفارات العاملة في الصحراء الغربية نحو ٧٣ حفاراً وهو ما يمثل ٦٢.٩٪ من إجمالي الحفارات العاملة في مصر. كما استحوذت المنطقة على ٧٣٪ من إجمالي عمليات الحفر والاستكشاف التي تمت بين يوليو ٢٠٢٤ ومايو ٢٠٢٥.
ولا تتوقف أهمية المنطقة عند الثروات البترولية فقط إذ تمتلك أيضاً احتياطيات معدنية واعدة تشمل خام البنتونيت والطفلة الزيتية في ستة مواقع مختلفة وهو ما يضيف بعداً اقتصادياً آخر لقرار استبعاد المشروع. هذه الأرقام تفسر لماذا تعاملت الدولة بحذر شديد مع أي مشروع قد يؤثر على مستقبل النشاط البترولي في المنطقة.
الصحراء الغربية تضم أنظمة خزانات هيدروكربونية واسعة تمتد عبر آلاف الكيلومترات المربعة بينما لا تزال أجزاء كبيرة منها غير مقيمة بالكامل جيولوجياً. وتشير البيانات إلى وجود فرص واعدة في التكوينات العميقة من العصرين الجوراسي والباليوزي. كما نفذت الدولة برامج مسح سيزمي حديثة غطت أكثر من ١٠٠ ألف كيلومتر مربع بما يعادل نحو ١٠٪ من مساحة مصر في أحواض غرب أسيوط والداخلة وغيرها من المناطق الواعدة.
ولعل أفضل مثال على الإمكانات الكامنة هو حقل بدر-١ الذي شهد خلال يناير ٢٠٢٦ عملية إعادة تطوير ناجحة رفعت إنتاجه بنحو ٨٣٧٪ ليتجاوز ٧٥٠٠ برميل يومياً مع زيادة الاحتياطيات القابلة للاستخراج إلى نحو ٣٦ مليون برميل.
النجاحات الأخيرة في الصحراء الغربية لم تعد تعتمد فقط على الاكتشافات الجديدة، بل على التكنولوجيا. فشركة خالدة للبترول نجحت في إضافة أكثر من ١٠٪ آلاف برميل يومياً خلال أسبوعين فقط بعد تشغيل خمسة آبار جديدة من بينها آبار تنموية واستكشافية مستفيدة من حلول رقمية متقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتسريع ربط الآبار بالإنتاج.
كما نجحت الشركة العامة للبترول في إضافة ١٥٠٠ برميل زيت يومياً من بئر استكشافي بمنطقة أبو سنان، إلى جانب مليون قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي، مع مؤشرات إيجابية لطبقات جديدة حاملة للهيدروكربونات.
وتؤكد البيانات أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجية الإنتاج حيث دخل بئر SWS-55 الخدمة كأول بئر مدعوم بالذكاء الاصطناعي في الحقول المتقادمة محققاً إنتاجاً يقترب من ٤ ملايين قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي. كما أضاف البئر GPR-1X نحو ١٤٠٠ برميل زيت يومياً ومليون قدم مكعبة غاز يومياً مع زيادة الاحتياطيات بنحو مليوني برميل قابل للاستخراج.
قرار رفض ملء منخفض القطارة يكتسب أهمية أكبر إذا ما وضع في سياق الخطط الاستثمارية المستقبلية. فوزارة البترول تستهدف حفر نحو ٤٨٠ بئراً خلال خمس سنوات باستثمارات تتجاوز ٥.٧ مليار دولار منها نحو ١٠١ بئر مخطط حفرها خلال عام ٢٠٢٦ فقط، يقع ما يقرب من ثلثيها في الصحراء الغربية. كما شهدت المنطقة توقيع اتفاقيات جديدة مع أباتشي وتيرا بتروليوم وشركات دولية أخرى تضمنت التزامات استثمارية وبرامج حفر جديدة ومسوحاً سيزمية متقدمة لتعظيم فرص الاكتشافات المستقبلية.
عندما أوصت اللجنة الوزارية بعدم تنفيذ سيناريو ملء منخفض القطارة لم تكن تنظر فقط إلى الاعتبارات البيئية المتعلقة بالمياه الجوفية أو التنوع البيولوجي، بل كانت تقرأ أيضاً خريطة الطاقة المصرية لعقود قادمة.
فالصحراء الغربية ليست مجرد مساحة جغرافية منخفضة المنسوب، بل تمثل اليوم أكبر خزان استثماري وإنتاجي للبترول في مصر وتحتضن عشرات الحقول العملاقة مثل مليحة وقارون وبدر الدين وأبو الغراديق والأُبيض والقصر التي تشكل ركيزة أساسية لأمن الطاقة المصري.
ولهذا يمكن القول إن قرار استبعاد مشروع ملء منخفض القطارة لم يكن قراراً هندسياً فقط، بل قراراً استراتيجياً حافظ على مستقبل منطقة تنتج نصف بترول مصر تقريباً ويقود حالياً موجة جديدة من الاكتشافات والاستثمارات والتكنولوجيا في صناعة البترول المصرية.