الأربعاء 19 أغسطس 2026 الموافق 06 ربيع الأول 1448

مجرد رأي: كيف جمع هذا المسئول كل هذه الأموال؟

1017
المستقبل اليوم

لن تجد من أعاجيب الزمن إلا ما نراه في بلداننا العربية. تجد فيها كل ما هو مثير ومحير، بل وطريف يصل بك إلى حد الثمالة. وعندما تصل إلى عينيك أو أذنيك أخبار وكيل وزارة النفط العراقي الذي استطاع أن يجمع في منازله ومزارعه أكثر من ٢٠ مليون دولار نقداً و٦٠ كيلو جراماً من الذهب الصافي - بحسب وكالات الأنباء - وضعها في أنفاق تحت الأرض وحوائط مفرغة، اكتُشفت بعد معركة كبيرة تقودها الحكومة العراقية ضد مظاهر الفساد هناك، فإنك لا تملك إلا أن تضرب كفاً على كف.

لهذه الدرجة وصلت الأحوال في بلادنا العربية من فوضى عارمة، تلك التي تجعل مسئولاً واحداً يجمع كل هذه الأموال نقداً وفي منزله وأنفاق في مزارعه؟ هو نوع من الفجور في التعامل مع المال العام، بينما يعاني الشعب العراقي من شظف العيش وتدهور الخدمات وبطالة تجاوزت ١٥٪ من مجموع السكان، على الرغم من أن بلده هي من أكبر دول العالم ملكاً للاحتياطيات النفطية.

ويبدو هنا تصريح مسئول كبير صادماً عندما قال إن مجموع ما تم نهبه من أموال العراق يتجاوز ٢ تريليون دولار منذ الغزو الأمريكي في ١٩ مارس ٢٠٠٣. دولة كبيرة وعريقة استُنزفت بشكل لم يسبق له مثيل، وسُرقت ثرواتها في وضح النهار نتيجة الفوضى وغياب الدولة، يجعلها تفكر في إلغاء عملتها الحالية حتى تجعل المنهوب منها بلا قيمة.

وهنا نستدعي كلمات الرئيس التي طالما كررها على مسامعنا، وتحذيره الدائم من سقوط الدولة وما يتبعه من مظاهر يشيب لها الولدان، ولا يعلم إلا الله توابعها، وحادث وكيل وزارة النفط العراقية وكثير من المسئولين هناك أوضح أمثلتها.

سقطت العراق في هاوية سحيقة لم تخرج منها حتى الآن بعد سقوط الرئيس صدام حسين، وأصبحت القوى العظمى تهيمن على مقدرات هذا البلد الغني صاحب الحضارة العريقة، بل وتحظر عليه الاستفادة من ثرواته، وتبيع نفطه بالنيابة عنه وبالأسعار التي تحددها، وترسل له بالطائرات ما يسد رمق مواطنيه ببضع حقائب أموال سائلة، لعدم وجود نظام مصرفي للأسف حتى يتمكن من شراء الضروريات لشعبه.

لهذه الدرجة يكون سقوط الدولة مهيناً مروعاً لشعبها في المقام الأول، ثم لتاريخها وحضارتها التي تأنف أن يكون حاضرها وحاضر شعبها يعاني من هذا الذل والهوان وعدم الاستقرار.

ما فعله وكيل وزارة النفط هناك هو نتيجة حتمية لحالة الفوضى وافتقاد أي معايير للحوكمة أو وجود نظام إداري ومالي تسلسلي يمنع مثل هذه التجاوزات والسرقات الفجة.

وعندما نقارن مثل هذه الأحداث بما نقدمه من نقد أو تجاوزات لدينا، والتي عادة لا تخرج عن استخدام سيارة في غير موضعها أو بعض التجاوزات المالية والإدارية محدودة التأثير، فشتان بين هذا وذاك، مع عدم الإخلال بالطبع بمنطق أن كليهما خيانة للمال العام.

لأن مصر، على الرغم من كل ما تواجهه من صعوبات، ما زالت دولة تملك دولاباً إدارياً كبيراً ومعقداً يسمى «الدولة العميقة»، وأجهزة قوية تستطيع فرض سيادة القانون طوعاً أو كرهاً، وهناك أجهزة رقابية لا تغفل، وإن تميزت بالصبر الذي لا يروق للبعض.

في النهاية، يظل وجود الدولة بكل أركانها وقوتها نعمة كبيرة، مهما كانت التجاوزات ومهما كانت التحديات، لأن وجود الدولة القوية يجعل من أي تجاوزات مجرد زوابع في فنجان.

أدام الله علينا نعمة الاستقرار، وأن يلهمنا التشبث بوجود دولتنا بكل أركانها مهما واجهنا من متاعب ومصاعب، لأن بدونها لا حاضر ولا مستقبل، وما يحدث في العراق وليبيا واليمن والسودان ماثل أمامكم.والسلام،،

سقراط




تم نسخ الرابط