الأربعاء 26 أغسطس 2026 الموافق 13 ربيع الأول 1448

الماضي يعود: توجيهات أم أسئلة؟ والثغرة التي تواجه أمل طنطاوي

149
المستقبل اليوم

حالة الفرح والإشادة التي صاحبت اكتمال سداد مديونية الشركاء بقيمة ١٦٧ مليار جنيه، في هذا الوقت الصعب الذي يعبره الاقتصاد المصري، وكانت في الأصل موجهة لخفض مديونية القطاع الداخلية، ربما مبكرة بعض الشيء، لأن سداد هذه المديونية فتح ملف ميزان مدفوعات هيئة البترول، وما يتحمله من قروض لجهات دولية مانحة لشراء المنتجات البترولية من الخارج، مثل بنك التمويل الإسلامي وغيره من البنوك المصرية، وفوائد دين لا تظهر على العلن، ولكنها واقع في سجلات الهيئة.

وعلى خلفية هذا، ظهرت مطالبات الجهات الدولية والداخلية بتحديد أوجه النشاط والحوكمة المالية للتعامل مع هذا الملف المهم، الذي صعد إلى السطح بعد انتهاء الدولة من إغلاق ملف المديونية للأجانب، وخاصة مع ارتفاع قيمة الفاتورة الاستيرادية بشكل غير مسبوق.

تظهر الاختلالات الهيكلية في هذا الملف في مديونية هائلة مستحقة للقطاع لدى الجهات الأخرى، مثل الكهرباء ومصر للطيران ووزارة النقل وبعض كبار العملاء في النشاط الصناعي، تصل إلى أكثر من نصف تريليون جنيه على أقل تقدير، وهي مديونية تؤثر بلا شك على مرونة اتخاذ القرار، وتدفع الهيئة إلى مزيد من القروض لمعالجة الخلل في ميزان مدفوعاتها.

ورفع أسعار المنتجات البترولية محليًا لن يكون حلًا أو علاجًا حاسمًا لهذه الإشكالية، لأن الزيادة عادة ما تتراوح بين ٦٠ أو ٧٠ مليار جنيه، تذهب أغلبها لمعالجة العجز في ميزان مدفوعات الدولة، بينما تزداد مديونية الهيئة بالقيمة ذاتها، لأن الجهات المديونة نفسها تتحمل الفرق نفسه نتيجة الأسعار الجديدة.

باختصار، دفع كل هذا إلى أن أصبحت التوجيهات الرئاسية، حين تقرأها بتمعن وهدوء، هي أسئلة جادة موجهة للقطاع وقياداته، وليست توجيهات بالمعنى المعروف، أسئلة مطلوب لها إجابة صريحة عن الوضع الفعلي للقطاع، ومدى قدرته على تحمل هذه الظروف، وخطط الإنتاج المستقبلي اللازمة لخفض الفاتورة الاستيرادية، بعد أن أصبحت المديونية الداخلية مشكلة مزمنة.

ومن الغريب أن يقابل كل هذا، وفي هذا التوقيت، استدعاء تصريحات للمهندس سامح فهمي، وزير البترول في آخر حكومة في عهد الرئيس مبارك، وحديثه عن قدرة القطاع على تحمل فاتورة الدعم في عهده، لأن القطاع في هذا الوقت كان يحقق ٦٠ مليار جنيه ربحًا، والمقارنة هنا ليست منصفة أو عادلة، لاختلاف ظروف الأسعار ومعدلات الاستهلاك وسعر العملة وعدد العاملين بشكل كبير عن هذا الزمن البعيد.

لذلك، فإن الملف الاقتصادي الداخلي لقطاع البترول، الذي تقوم عليه السيدة أمل طنطاوي، هو من أهم الملفات المفتوحة حاليًا، ويحظى باهتمام رئاسي وحكومي صريح وواضح، ويتطلب إجراءات اقتصادية صارمة للمحافظة على تماسكه.

وتبدو الثغرة القادمة في كيفية تدبير مكافأة نتائج الأعمال لهذا العام، والتي يمكن أن تتجاوز ٢٠ مليار جنيه، تتحملها هيئة البترول عن شركاتها، بالإضافة إلى تكلفة الضرائب عنها وزيت الإتاوة للحكومة، فهل ستكون ديونًا إضافية على كاهل هيئة البترول؟

وإذا تم عبور هذه المشكلة، فإن هذا الوضع لا يمكنه الاستمرار بشكله الحالي إلى الأبد، وإن هيكل الأجور بالقطاع لا بد أن يُعاد بناؤه بشكل مختلف، حتى تتوازن دفة الاقتصاد في أيدي المسؤولين، وخاصة مع تراجع مستويات الإنتاج بشكل عام.

المشكلة كبيرة بالفعل وليست هينة، وخاصة بعد أنباء إغلاق باب المندب في خضم الحرب الاقتصادية الشنيعة التي تدور رحاها حاليًا، وهو ما يضرب بعنف رقم إيرادات قناة السويس وأسعار النفط العالمية، ويضع ضغوطاً متزايدة على ميزان مدفوعات الدولة وسعر العملة الأجنبية بشكل كبير.

أعان الله السيدة طنطاوي على التعامل مع هذا الملف الخطير، والعبور بالسفينة إلى منطقة أكثر هدوءاً، لأن القادم يبدو أكثر صعوبة.




تم نسخ الرابط