تجربة تمصير الحفر المصرية.. هل هي صالحة لكل الأحوال؟
لا شك أن تجربة تمصير شركة الحفر المصرية كانت تجربة فريدة وناجحة، بما تمتلكه من أصول وسوق لا يُستهان بها، وفوق كل ذلك سمعة محلية ودولية جاءت من تراكم الخبرة وتخطي العقبات وتوفير المعدات والالتزام الصارم بقواعد السلامة والتفتيش الهندسي، التي هي ركيزة نشاط الحفر بصفة خاصة.
عندما قرر الشريك الأجنبي في تلك الشركة التخارج منها، كانت هناك خيارات أمام قيادات القطاع، وكانت إما ترك نصيبه للعرض والطلب واستقبال شريك جديد، وإما الاستحواذ على كامل أسهم الشركة وتصبح كلها ملكاً لهيئة البترول.
كان المرحوم مؤنس شحات، ومعه المهندس صلاح عبدالكريم رئيس الشركة آنذاك، ومعهم مجموعة، كانت فكرة التمصير والحصول على نصيب الشريك والتفاوض معه للوصول إلى بأفضل سعر ممكن، وبالفعل تمكن من إتمام الصفقة، وقد بلغت بحسب بعض التقارير حوالي ١٠٠ مليون دولار، بينما تبلغ القيمة الاسمية لأصول هذه الشركة أضعاف هذا المبلغ عدة مرات.
ظروف هذه الصفقة كانت تتيح للجانب المصري أن يتفاوض من موقع قوة، وكان لهذا عوامل محددة تأتي كما يلي:
* الجانب المصري امتلك الخبرة المناسبة والكافية على مدار سنوات طويلة تمكنه من إدارة هذه الشركة منفرداً.
* أعمال الشركة وقوائمها المالية وحالة الأصول معروفة تماماً لديه، ويعرف نقاط الضعف والقوة فيها؛ لأنه القائم على تشغيلها واقعياً.
* التكنولوجيا المستخدمة معروفة ومفهومة، واستطاع الجانب المصري التعامل معها بكل سهولة على مدار عمر الشركة الطويل.
* معرفة اتجاهات واحتياجات السوق المحلي والعربي بشكل جيد وواضح، بما يتيح عمل نموذج اقتصادي متماسك يمكن معه حساب القيمة المناسبة لسعر الشراء، ومن ثم توقيت استرداد ما تم دفعه للجانب الأجنبي للتنازل عن أسهمه في الشركة.
* مسؤولية الجانب المصري عن التشغيل والصيانة، حتى في وجود الشريك، تعضد موقف المفاوض المصري نتيجة تأكده من استمرار عمليات التشغيل والصيانة بدون قلق أو حاجة لاستقدام خبرات أجنبية من الخارج.
* كافة أصول الشركة موجودة على الأرض، ومعظمها في حوزة الجانب المصري فعلياً، فلا يوجد ما يدعو لمزيد من الإجراءات الاحترازية والعقود ذات التفاصيل والإجراءات المعقدة.
* القدرة على تحديد السعر المناسب للشراء لميزانية القطاع، ولا شك أن سرعة تدبير المبلغ تُحسب للمهندس طارق الملا في هذا الوقت، حتى يسهل إقناع الشريك بالمبلغ المعروض والإسراع في إجراءات التنازل.
لا شك أن كافة هذه الظروف أتاحت النجاح لهذا النموذج، وكانت فرصة كبيرة بالفعل اقتنصها قطاع البترول، وأصبح يملك منفرداً واحدة من أكبر شركات الحفر البري والبحري في الشرق الأوسط.
والسؤال الذي يلح على أذهان الكثيرين: هل يمكن إعادة تطبيق هذا النموذج على المناطق التي سوف تتخارج منها شركة BP؟
والإجابة على هذا السؤال لها أبعاد كثيرة، ويجب أن تناقش بموضوعية بعيداً عن الشعور الوطني الجارف أو التخوف من إمكانيات الشريك الجديد، أياً كان اسمه وجنسيته. ويجب أن تُطرح على الطاولة كافة الاحتمالات والظروف المالية والفنية، حتى يصبح ما تنتهي إليه المناقشة هو بالفعل القرار الصائ... ولهذا الموضوع الهام حديث آخر ..انتظرونا.
#المستقبل_البترولي