الأربعاء 02 سبتمبر 2026 الموافق 20 ربيع الأول 1448

مروه عطيه تكتب... يأسك وصبرك بين ايديك وانت حر

107
المستقبل اليوم

تمرّ على الإنسان أيام يشعر فيها أن الدنيا قد ضاقت بما رحبت، وأن كل الأبواب التي طرقها قد أُغلقت في وجهه، وأنه مهما حاول أن يجد مخرجًا، عاد إلى النقطة نفسها مثقلًا بالتعب والأسئلة.
في أوقات الشدة لا نكون دائمًا في أفضل حالاتنا. قد نضعف، وقد نبكي، وقد نفقد القدرة على التفكير، وربما ننظر إلى المستقبل فلا نرى فيه إلا غموضًا يزيد خوفنا.
وهنا تأتي تلك الحقيقة البسيطة والقاسية في الوقت نفسه والتى صاغها صلاح جاهين فى رباعياته:
يأسك وصبرك بين إيديك… وإنت حر.
ليس معنى ذلك أن الإنسان يختار الشدة أو يختار ما يقع عليه من مصائب، فهناك أشياء كثيرة تأتي إلينا دون اختيار. خسارة، مرض، فراق، ضيق في الرزق، خذلان من قريب، أو أزمة نظن في لحظة ما أننا لن نستطيع الخروج منها. لكن ما نملكه، ولو بدرجة ما، هو الطريقة التي نواجه بها ما حدث.
قد نستسلم لليأس فنمنحه مساحة أكبر من اللازم، ونظل نردد أن الأمر انتهى، وأنه لا أمل، وأن الحياة لم تعد تحمل لنا شيئًا.وقد نختار طريقًا آخر… طريقًا أكثر صعوبة في بدايته، لكنه أكثر رحمة في نهايته: أن نصبر.
والصبر هنا لا يعني أن نبتسم ونحن نتألم، ولا أن ننكر حزننا، ولا أن ندّعي القوة طوال الوقت. الصبر الحقيقي هو أن نعترف بأننا متعبون، لكننا لا نتوقف. أن نبكي إذا احتجنا إلى البكاء، ثم نرفع رؤوسنا ونكمل الطريق.
وفي أوقات الشدة تحديدًا، نكتشف شيئًا آخر لا يقل أهمية عن قدرتنا على الصبر…
نكتشف الناس...هناك أشخاص لا نعرف قيمتهم الحقيقية إلا عندما تضيق بنا الدنيا. شخص يتصل ليسأل بصدق، وآخر يقدم المساعدة دون أن نطلب، وصديق يجلس إلى جوارك فقط لأنه يعرف أنك لا تحتاج نصيحة بقدر ما تحتاج إلى إنسان يسمعك...وهناك أيضًا من يفاجئك بغيابه... تبحث عنه فلا تجده، وتناديه فلا يسمع، وتكتشف أن بعض العلاقات كانت جميلة فقط في الأيام السهلة، وأنها لم تكن قوية بما يكفي لتصمد أمام أول اختبار... وربما يكون هذا أحد الدروس المؤلمة التي تمنحنا إياها الشدة.
فالأيام الجميلة تجمع حولنا كثيرين، أما الأيام الصعبة فتقوم بعملية فرز هادئة وقاسية. يبقى من يحبنا حقًا، ومن يشعر بنا، ومن يرى وجعنا دون أن نضطر إلى شرحه... ويبقى في الذاكرة ذلك الشخص الذي مدّ يده في الوقت الذي كانت فيه أيدينا مثقلة، أو قال كلمة طيبة ونحن على وشك الانكسار، أو وقف بجانبنا دون حسابات... وهؤلاء لا يُنسون... قد ننسى كثيرًا من تفاصيل الأزمة بعد سنوات، لكننا لا ننسى أبدًا من كان معنا خلالها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من الشدة أننا لسنا مطالبين بأن نواجه كل شيء وحدنا. القوة ليست في أن ترفض يدًا تمتد إليك، ولا في أن تتظاهر بأنك لا تحتاج أحدًا... أحيانًا تكون القوة الحقيقية في أن تقول:أنا متعب… وأحتاج إلى من يقف بجانبي.
وما أجمل أن نجد من يقول لنا، دون خطب طويلة ولا كلمات كبيرة: أنا هنا.
ففي بعض اللحظات، قد تكون هذه الجملة وحدها كافية لتخفيف نصف الحمل.
الحياة لن تخلو من الشدائد، وربما يأتي على كل واحد منا وقت يظن فيه أن النهاية قد اقتربت، ثم تمر الأيام ويكتشف أن ما ظنه نهاية كان مجرد فصل صعب من الحكاية...لذلك، حين تضيق بك الدنيا، امنح نفسك حق الحزن، وحق التعب، وحق البكاء…لكن لا تمنح اليأس حق الإقامة الدائمة في قلبك.
خذ نفسًا، وانظر حولك، وتمسك بمن يحبك، واقبل اليد التي تمتد إليك بصدق، ثم حاول مرة أخرى... فقد لا تستطيع أن تختار ما يحدث لك…لكن بين اليأس والصبر مساحة صغيرة من القرار.
يأسك وصبرك بين إيديك… وإنت حر...والأيام، مهما طالت، لا تبقى على حال... فهذا الوقت سوف يمر.




تم نسخ الرابط