ويبقى الألم...ياسمين الجاكي
تمر أعوام وأعوام على فراق الأحبة، ونظن أننا سننسى، أو أن الحياة ستلهينا عنهم… ولكن الحقيقة أننا لا ننسى، بل نحاول فقط أن نتعايش مع هذا الألم المرير، المحفور في أعماقنا.
ومع مرور الوقت، يزداد الشوق، وينهك القلب، وتشتاق العيون لرؤية من رحلوا وتركوا في أرواحنا فراغًا لا يملؤه أحد..
ففي فراقهم غصة ترافقنا في كل وقت وحين،..وتذكرنا بهم الأماكن والمواقف والتفاصيل الصغيرة..
نظل في حاجة إليهم كلما أرهقتنا الحياة، نشتاق إلى ذلك الجدار الواقي الذي كان يحيط بنا ويحمينا من اي اذى وسوء.. إلى ذلك الكم الهائل من الحنان الذي كان يدفئنا ويطمئننا..
نشتاق حتى إلى ذلك الخوف الذي كان يومًا يزعجنا… لأن وجودهم كان يجعل لكل شيء معنى، ولكل خوف نهاية.
ونسأل أنفسنا : أين ذهب من كنا نشعر بجانبهم بطفولتنا وبراءتنا؟
أين ذهب ذلك النور الذي كان يهدينا، فنمضي خلفه مطمئنين، ساكني البال؟ أين ذهبت تلك الراحة التي كانت تسكننا في أحضانهم الدافئة؟
أين هذا الشعور الصادق، المجرد من المصالح والشروط؟
أين ذلك الحب الاستثنائي الذي لن يتكرر؟
مهما مرت الأعوام، يبقى الوجع رفيقًا لنا.. لا نعرف له مصدر لكننا نشعر به في دقات قلب متسارعة، وفي خوف يصمت معه القلب، وفي حزن دفين تخفيه ابتسامات باهتة.
نشعر باحتياج دائم إلى الأمان، وإلى يد تمتد إلينا حين نتعب، وإلى حكمة ورأي صائب افتقدناهما، وإلى ذلك الشعور الجميل بأن هناك من يسندنا مهما قست الحياة.
نحتاج إلى من يمد يده دوماً لمساعدتنا دون مقابل، إلى من يحنو علينا وقت الضيق، إلى من نشعر بجانبه أننا نستطيع أن نعود أطفالًا كما كنا، بلا خوف ولا حسابات..نحتاج إلى من نرى أنفسنا الحقيقية بجانبه… دون أقنعة، ودون تظاهر بالقوة.. نحتاج إلى طبطبة القلب، وكرم العطاء، وصفاء النفس، وإلى ذلك الشعور العميق بالاحتماء فيمن فقدناه.
تبقى لوحة الحياة باهتة أمام أعيننا… نعم، نعيشها، ونمضي في تفاصيلها، ونضحك أحيانًا، وننجح أحياناً ، لكننا لم نعد نراها بالألوان الزاهية نفسها، ولا نشعر بمعانيها الجميلة كما كنا نفعل في وجودهم..
تمر الأيام، والشهور، والأعوام…
وما زلنا نعيش تلك اللحظة القاسية التي فقدنا فيها من عشنا بجانبهم أجمل الذكريات، وأصدق المشاعر، وأرقاها.
رحلوا عن أعيننا، لكنهم لم يرحلوا عن قلوبنا.. فبعض الغياب لا تعالجه الأيام، وبعض الفقد لا يخففه الزمن…نحن فقط نتعلم كيف نعيش اشتياقنا بصمت، وكيف نكمل الطريق وفي داخلنا جزء توقف عند اللحظة التي رحلوا فيها..ويبقى الألم… ويبقى الحب… ويبقى الاشتياق.