الأحد 31 أغسطس 2025 الموافق 08 ربيع الأول 1447

كلمتين ونص…حياتك بدون فيس ولا ترقية

76
المستقبل اليوم

 

أمس لم يتطاول الليل ولم يسود جانبه ولم يؤرقني فيساً ولا واتساً أتصفحه .

استيقظت من النوم على رسالة : عدنا أخيراً ، بعثها مارك بعد خسارته 20 مليار دولار في خمس ساعات بسبب توقف فيس بوك ، حسب تقرير صحيفة الاندبندت ، ثم الناس راحوا يقلدونه ويقولون نفس الجملة ويبعثون نفس الرسالة ، وكأن غياب الواحد منهم هو الذي عطل أعمال البشرية ، يا سادة غياب اختراع مارك هو الذي فعل ذلك ، أنتم مجرد وسيلة ووعاء يصب المكاسب في حساب مارك .

 

كانت الساعة الخامسة و36 دقيقة ، انقطع اتصال وسائل التواصل الاجتماعي وانا في محطة الوقود ، في هذا الوقت صدرت حركة تنقلات قيادات الشئون المالية بشركات البترول ، حركة نشرت ملامحها منذ يومين ، لكن يبدو أن الحركة جارت على حق البعض ، "فدعا ربه أني مغلوب فانتصر "، فتوقف الفيس والواتس حتى تصبح النار رماداً وتهدأ النفوس .

 

نشرت الخبر ولم نستطع ارساله عبر الفيس بوك ولا الواتس اب للقراء الذين تعودوا على ذلك ، هم لا يتكبدون عناء تصفح المواقع ، فقط اعتادوا الضغط على اللينك لقراءة ما تريده لهم ، أو ما يريدونه هم ، هم أحرار أيضاً ، طبعاً ليس بالقدر الكافي ، وجميعنا أيضاً .

 

وما بين هذه الرحلة والوصول للمنزل ، تلقيت مئات المكالمات ، من السهل أن ترد وأنت سائق ، ومن الصعب أن تكتب ، قولت : يا سلام دا الفيس كان رحمة ، وهكذا الواتس ، ثم عدت ورددت : دا الفيس والواتس كانوا نقمة ، على الاقل سمعت صوت الكثيرين ممن اعتادوا ارسال رسائلهم على هاذين التطبيقين .

 

هرولت مسرعاً لاحتسي حجرين من الشيشة ، مضى على عدم التدخين ساعات طويلة ، بالفعل وصلت لوجهتي المعتادة ، جالساً على الكرسي وانا مطمئن ، قلبي مرتاح وذهني خالً تماماً من وساوس أن يحقق غيري سبقاً صحفياً أو أن يصدر بيان فلا الحقع ، أو ينشر أحد خبراً قبلي ، هكذا ساعدتني وساوسي أن اترك الهاتف على الاريكة ، وأستمتع بدخان الشيشة واحتضنه حتى لا يطير .

 

فجأة اردد مع نفسي: استغل بقى هذا الهدوء وأذهب للخلود للنوم الهادئ ، فقد كان يوماً شاقاً ،انطلق يا فتى وانت مطمئن أن لا رسالة ستقلقك ولن يقوى أحد على نشر ما يزعجك ، ليست هناك وسيلة تعمل ، إذاً الخلود للنوم والنوم العميق ، فلن أرضى بأقل من ذلك.

 

بالفعل صليت العشاء ، ورفضت أن أشاهد "النوم فى العسل"، وقولت : أحسن شيئ استفيد بصحتي وأنام وهذا أفضل من "النوم فى العسل".

 

ولأول مرة منذ سنوات ، أنام مستلقياً على الأرض دون قلق ، نوم عميق لم تزعجني فيه الأحلام ، وكأن الهاتف الذي يحمل الفيس والواتس ، وكل وسائل التواصل الأجتماعي ، يحمل معه أيضاً الكوابيس والاحلام المزعجة ، نمت وليس هناك ما اقلق عليه ، ليس هناك ما يعكر صفو المزاج ، ماذا سيحدث ؟، لو أن هناك حدث جلل سيتصل الجميع بي تليفونياً ، الذين يستخدمون وسائل التواصل يبعثون الغث والثمين ، لا يفرقون بين الاوقات ولا الاشخاص ولا المسئوليات ، هم جبناء للدرجة التي تجعلهم يرسلون لك ألف رسالة فى اليوم ، ولا يتحدثون اليك دقيقة واحدة .

 

قبل النوم ، فكرت قليلاً عن إيجاد وسيلة للتواصل اذا استمر الأمر على هذا النحو ، نعم أكره هذه الوسائل ، لكنها لغيري وسائل ترفيه وبالنسبة لي وسائل عمل وأكل عيش ..ماذا لو تكرر الأمر وذهب الفيس والواتس بلا رجعة .

 

قولت في نفسي اعتقد أن توزيع الصحف سينتعش من جديد ، والكتب سيعود مجدها ، سأتكبد فاتورة مكالمات هائلة ، لكني سأسمع شبه يومي صوت إخوتي وأصدقائي ، يبدو أنني لن أجد معجبين ومعجبات مرة أخرى ، فلن يراني أحد على شاشته مرة أخرى ، لن استطيع أن أنشر مقالي عن الحب وسيدات الأربعون والحب بعد الخمسين والحب بعد الزهايمر والحب بعد توقف الفيس بوك ، كل هذه الأشياء لن يعود بمقدوري فعلها ، إذاً كيف سيكون الحال ؟

 

لا شك أنني كنت متعب جداً من الطريق والاستيقاظ مبكراً ، ومن آهات ضحايا حركة الشئون المالية ، ومن ضحايا كل الحركات التي ستصدر فيما بعد ، الأحزان لن تنتهي ، والذي لا ينظر إلى كم الموتى الذين يرحلون يومياً دون إنذار ، لا شك أنه لن يرتدع أبداً ، وسيظل يجور على حق غيره وسيظل ساعياً لاستقصاء غيره ، وهكذا الحياة لا شيئ فيها يسر .

 

لكن أهم ما في الأمر ، أنك طالما تجردت من أشياءك أصبحت إنساناً حر ، تخيل أنت فقط بدون فيس بوك وواتس ، قد نمت لساعات دون قلق ولا أرق ولا تفكير ، ما بالك أنك بلا مال ولا هموم ولا زوجة جميلة ولا أبناء أشقياء ولا نزاعات على منصب ، تخيل أنك لا تنتظر حركة الترقيات اللعينة ، ولا تنتظر العلاوة ولا تنتظر الأرباح ، تخيل أن كل الأشياء التي تتحدث فيها وتشغل حيزاً من تفكيرك ، بل تشغل كل تفكيرك وترهقك وتجلطك وتجعلك تلجأ للمسكنات والمنومات ، باتت فارغة وليس لها وجود ، تخيل كل ذلك …اعتقد أنك ستنام هادئً مثلي ، وستمر على الصراط مرور الطير ، فالذين لا يملكون من متع الحياة هكذا سيكون حالهم .

 

سأل الرشيد ما هو الصراط المستقيم؟ ، عجز الجميع عن الإجابة إلا بهلول أعقل المجانين ، لكنه طلب من الخليفة إجراء تجربة ، وأتى بماء ساخن ، ووضع قدميه فى الماء ، ثم قال: أنا أبا وهب البغدادي ، طعامي الشعير وشرابي الماء ولباسى الصوف ، ثم طلب من الرشيد أن يحذو حذوه ، فما أن وضع الرشيد قدميه فى الماء حتى أخرجهما ، وقال: ويحك أتريدني أن أظل فى هذا الماء الساخن واعدد لك طعامي الذين يربو على المائتي صنف ولباسي الذي يزيد على الثلاثون ؟.. قال له بهلول: هكذا يكون الصراط المستقيم .

 

وهكذا تكون فائدة التخلي عن الأشياء ، وفائدة اختفاء الفيس بوك .




تم نسخ الرابط