الثلاثاء 24 فبراير 2026 الموافق 07 رمضان 1447

لطائف وقطائف...سمير زايد (6)

79
المستقبل اليوم

﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.

لقد تناولنا في حلقة أمس قوله تعالى: (عَلَى سَفَرٍ)، وفي حلقة قبل أمس قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا).

وقد بيَّنا إباحة الإفطار في السفر والمرض رخصةً من الله تعالى ذكره، وقلنا إن المرض نوعان: مرضٌ يُرجى بُرؤه، وهذا سوف نتعرض له اليوم في قوله تعالى: (أَيَّامٍ أُخَر)، والنوع الثاني مرضٌ لا يُرجى بُرؤه – كأن يكون مرضه مزمنًا – سنتعرض له في قوله تعالى: (فِدْيَةٌ).

“فَعِدَّةٌ” فعلة من العد، وهو بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون، ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس عدة، وعدة المرأة من هذا. وقد ذكر المولى تعالى (فَعِدَّةٌ) على التنكير ولم يقل: فعدتها، أي فعدة الأيام المعدودات. وذلك لأن العدة بمعنى المعدود، فأمر بأن يصوم أيامًا معدودة مكانها، والظاهر أنه لا يأتي إلا بمثل ذلك العدد الذي أفطره، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة.

(عدة) قُرئت مرفوعة ومنصوبة؛ أما الرفع فعلى معنى: فعليه صوم عدة أيام، فيكون هذا من باب حذف المضاف، وأما إضمار (عليه) فيدل عليه حرف الفاء. وأما النصب فعلى معنى: فليصم عدة أيام.

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: “فمن كان منكم مريضًا”، من كان منكم مريضًا ممن كُلِّف صومه، أو كان صحيحًا غير مريض وكان على سفر، “فعدة من أيام أخر”، يقول: فعليه صوم عدة الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره، “من أيام أخر”، يعني: من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره.

إذا أفطر المريض أو المسافر كيف يقضي؟ فمذهب علي وابن عمر والشعبي أنه يقضيه متتابعًا، وقال الباقون: التتابع مستحب، وإن فرَّق جاز. وذلك أن قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر) نكرة في سياق الإثبات، فيكون ذلك أمرًا بصوم أيام على عدد تلك الأيام مطلقًا، فيكون التقييد بالتتابع مخالفًا لهذا التعميم. وعن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواتر وإن شئت ففرِّق، والله أعلم.

ورُوي أن رجلًا قال للنبي – صلى الله عليه وسلم –: عليَّ أيام من رمضان، أفيجزئني أن أقضيها متفرقة؟ فقال له: “أرأيت لو كان عليك دين فقضيته الدرهم والدرهمين، أما كان يُجزئك؟” فقال: نعم. قال: “فالله أحق أن يعفو ويصفح”.

ومما سبق تتضح رحمة الله في قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، تتجلى في التيسير ورفع الحرج عن المريض والمسافر بإباحة الفطر، وتأجيل الصيام لأيام أخر عند زوال العذر. هذا التشريع يضمن راحة العبد وعدم تكليفه ما لا يطيق، مع الحفاظ على مصلحة أداء الصيام.

مظاهر رحمة الله في الآية:
• التسهيل والتيسير: ترخيص الله للمريض والمسافر بالفطر للمشقة، وتأجيل القضاء لأيام أخر.
• رفع الحرج: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) دليل على استحباب القضاء بعد زوال العذر (المرض أو السفر) وحصول الراحة.
• المرونة في القضاء: يمكن قضاء الأيام في أوقات أسهل (مثل أيام الشتاء القصيرة) بدلًا من أيام رمضان التي قد تكون صعبة.
• تكرار الرخصة: إعادة ذكر الرخصة في الآية (البقرة: 185) يؤكد بقاءها للمريض والمسافر، تكرارًا للرحمة وإزالةً للتوهم بنسخها.
• فهم المشقة: كلمة “مريضًا” عامة تعني أي مشقة، وأنت حجة على نفسك.

ألبسكم الله ثوب الصحة والعافية عاجلًا غير آجل، وشفاكم وعافاكم وعفا عنكم، وشملكم بعطفه ومغفرته، وتولاكم برحمته، وهو أرحم الراحمين.
رمضان كريم




تم نسخ الرابط