لطائف وقطائف...سمير زايد (8)
﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.
لقد انتهينا في الحلقة السابقة إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، ووضحنا معاني كلمة «يطيقونه»، وسوف نتعرض اليوم لقوله تعالى: «فدية».
وقوله سبحانه: ﴿ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾، الفدية هي ما يفدي الإنسان بها نفسه ويقيها من الرق من مال يبذله، أو يقيها من الإثم بكفارة يتصدق بها بدلًا عن العبادة المفروضة أو الجناية فيها، وهي مقدَّرة بطعام مسكين قدره ربع صاع من الحنطة، أو نصف صاع من غيرها عند الحنابلة وبعض العلماء، وعند غيرهم نصف صاع حنطة أو صاع من غيرها.
وقد أفطر أنس بن مالك رضي الله عنه عامًا أو عامين في آخر عمره، وأطعم عن كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا. وقال بعضهم: يطعم المفطر مسكينًا من القوت الذي يتقوته، والأولى أن يُراعى فيه الطعام المألوف في رمضان كله؛ ليكون المُطعِم منفقًا مما يحب.
ودعونا نُجمل ما فصّلنا بالأمس: هل فعلًا قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَامِ مِسْكِينٍ) يعني: من لا “يريد” الصيام يدفع مالًا وينتهي الأمر؟
لو كان الأمر كذلك لسقط فرض الصوم كله، ولأصبح رمضان “اختياريًا برسوم مالية”! فهل هذا هو مراد الله؟ أم أن هناك فهمًا منضبطًا عند السلف؟
أولًا: كلمة “يُطِيقُونَهُ” في لغة العرب لا تعني “لا يحبونه”، بل تعني يتحملونه بمشقة شديدة. الطاقة هي القدرة مع الكلفة، لا القدرة مع الراحة.
أما من يحتج بلفظ “يطيقونه” على أنها تعني “يستطيعونه لكن لا يريدونه”، فهذا قلب للمعنى اللغوي والسياق الشرعي معًا. ولو فتحنا هذا الباب لجاز أن يقال: من لا يريد الصلاة يدفع فدية، ومن لا يريد الحج يدفع مالًا، وهذا لا يقول به مسلم.
ثم أين فعل النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ هل ثبت أنه أباح لقادر صحيح أن يترك الصوم ويدفع مالًا؟ لم يثبت ذلك في حديث صحيح واحد.
بل قال (صلى الله عليه وسلم): «بُني الإسلام على خمس… وصوم رمضان» (متفق عليه). ولم يقل: أو فديته لمن لم يشأ.
الخلاصة:
الفدية حكم رحمة لأصحاب العجز الدائم أو الشيخوخة المتقدمة، لا باب تهرب للقادرين. والآية تُفهم في ضوء لغة العرب وسياقها وبيان الصحابة وعمل النبي صلى الله عليه وسلم، لا بقطعها عن منظومتها. أما من يفطر لعذر مؤقت، كالسفر أو المرض العارض الذي يُرجى شفاؤه، فلا تُجزئه الفدية، بل يجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها بعد زوال العذر.
الفرق بين الفدية والكفارة:
هناك ضرورة للتمييز بين المفاهيم؛ فالفدية تكون عند العجز الدائم عن الصيام، أما الكفارة فتجب في حالات محددة كالإفطار العمد في رمضان دون عذر.
مقدار فدية الصيام:
أما مقدار فدية الصيام، فأوضحت دار الإفتاء المصرية أن مقدار فدية الصيام وفق آخر تحديث لها عن العام الهجري 1446 هـ قد حُدد بحد أدنى 30 جنيهًا مصريًا عن كل يوم يفطره المسلم لعذر شرعي دائم لا يُرجى زواله، كمرض مزمن أو عجز بسبب كِبَر السن.
وأوضحت دار الإفتاء أن هذه القيمة تمثل تكلفة إطعام مسكين عن اليوم الواحد، ويجوز إخراجها نقدًا أو في صورة طعام، بحسب الأحوال والقدرة.
ويجوز إخراج الفدية يومًا بيوم خلال شهر رمضان، كما يجوز تعجيلها أو تأخيرها إلى ما بعد انتهاء الشهر، على أن تكون بعدد الأيام التي أفطرها الشخص، ويُستحب المبادرة.
مقدار كفارة الصيام:
كفارة الإفطار العمد في نهار رمضان دون عذر شرعي تختلف باختلاف نوع المخالفة؛ ففي حالة الجماع عمدًا في نهار رمضان تكون الكفارة على الترتيب: عتق رقبة، وهو أمر غير متحقق في زماننا، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين دون انقطاع، فإن عجز عن الصيام لعذر معتبر انتقل إلى إطعام 60 مسكينًا.
فإن لم يتمكن كذلك من جمع 60 مسكينًا لإطعامهم، فإنه يجوز له على مذهب الإمام أبي حنيفة إخراج القيمة نقدًا بدلًا من الإطعام، بحيث تعادل قيمة وجبتين (غداء وعشاء) لكل مسكين من أوسط ما يُطعم أهله، وبذلك يكون المطلوب قيمة 120 وجبة للفرد، تُقدَّر بحسب متوسط إنفاقه المعتاد، ثم تُوزع على الفقراء مباشرة أو تُسلَّم لجهة موثوقة تتولى توزيعها على المستحقين.
أما في حالة الإفطار العمد بالأكل أو الشرب، فجمهور الفقهاء يوجب القضاء مع التوبة والاستغفار فقط، بينما يرى بعض أهل العلم وجوب الكفارة أيضًا. والفتوى المعمول بها في دار الإفتاء المصرية تقضي بأن من أفطر عمدًا بالأكل أو الشرب يلزمه قضاء اليوم والتوبة الصادقة، ولا تجب عليه الكفارة المغلظة التي تختص بحالة الجماع في نهار رمضان.
رمضان كريم 🌙