السبت 07 مارس 2026 الموافق 18 رمضان 1447

زلزال الطاقة: حرب إيران تعطل خُمس إمدادات العالم وترفع أسعار النفط فوق 90 دولاراً.

75
المستقبل اليوم

قد يواجه المستهلكون والشركات حول العالم ارتفاعاً في أسعار الوقود لأسابيع أو حتى شهور، حتى في حال انتهاء الحرب المرتبطة بإيران سريعاً، وذلك بسبب الصعوبات التي قد يواجهها الموردون في التعامل مع المنشآت المتضررة واضطراب الخدمات اللوجستية وارتفاع مخاطر الشحن.

ويشكل هذا السيناريو تهديداً أوسع للاقتصاد العالمي، كما يمثل نقطة ضعف سياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي، في ظل حساسية الناخبين تجاه ارتفاع فواتير الطاقة ومعارضتهم للتدخلات الخارجية.

وقال محللو جيه.بي مورغان في مذكرة بحثية أمس الجمعة إن السوق «تتحول من تسعير المخاطر الجيوسياسية البحتة إلى التعامل مع اضطرابات تشغيلية ملموسة»، مشيرين إلى أن إغلاق بعض المصافي وفرض قيود على الصادرات بدأ يعرقل عمليات معالجة الخام وتدفقات الإمدادات الإقليمية.

وقد أدى الصراع بالفعل إلى تعطّل نحو خُمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي في العالم، بعد استهداف طهران سفناً في مضيق هرمز الحيوي بين سواحلها وسلطنة عُمان، إلى جانب شن هجمات على بنية الطاقة التحتية في أنحاء المنطقة.

وقفزت أسعار النفط العالمية بنحو 24% الأسبوع الماضي متجاوزة 90 دولاراً للبرميل، في طريقها لتسجيل أكبر مكاسب أسبوعية منذ جائحة كورونا، وهو ما انعكس على ارتفاع أسعار الوقود للمستهلكين في مختلف أنحاء العالم.


كما أدى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز إلى اضطرار كبار منتجي النفط في المنطقة، وهم السعودية والإمارات والعراق والكويت، إلى تعليق شحنات تصل إلى 140 مليون برميل من النفط، وهو ما يعادل تقريباً الطلب العالمي لمدة 1.4 يوم.

وقال محللون ومتعاملون ومصادر في القطاع إن خزانات النفط والغاز في منشآت الخليج تمتلئ بسرعة نتيجة تعطل الشحن، ما أجبر بعض الحقول النفطية في العراق على خفض الإنتاج، في حين يُرجح أن تتخذ الكويت والإمارات خطوة مماثلة، بحسب رويترز.

من جانبه قال أمير زمان، رئيس الفريق التجاري لمنطقة الأميركتين في شركة ريستاد إنرغي، إن الحقول النفطية التي توقفت بسبب اضطرابات الشحن قد تحتاج إلى وقت قبل العودة إلى مستويات التشغيل الطبيعية.

وأضاف لرويترز «قد ينتهي الصراع، لكن إعادة الإنتاج إلى مستوياته السابقة قد تستغرق أياماً أو أسابيع أو حتى شهوراً، بحسب نوع الحقول وعمرها وطبيعة الإغلاق الذي فُرض عليها».

وفي الوقت نفسه تستهدف القوات الإيرانية بنية الطاقة التحتية في المنطقة، بما في ذلك المصافي والموانئ، ما يدفع المسؤولين إلى إغلاقها مؤقتاً، فيما تعرضت بعض العمليات لأضرار جسيمة تتطلب إصلاحات.

وأعلنت قطر يوم الأربعاء حالة القوة القاهرة على صادراتها الضخمة من الغاز عقب هجمات بطائرات مسيرة إيرانية، فيما قالت مصادر مطلعة إن استعادة مستويات الإنتاج الطبيعية قد تستغرق شهراً على الأقل. وتوفر قطر نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية.

كما أُغلقت أكبر مصفاة تابعة لشركة أرامكو في السعودية ومحطة تصدير النفط الخام الرئيسية في رأس تنورة بسبب الهجمات، من دون الكشف عن تفاصيل بشأن حجم الأضرار.

ويبرر البيت الأبيض الهجوم على إيران بالقول إنها كانت تمثل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة، من دون تقديم تفاصيل إضافية، في حين أعرب ترامب أيضاً عن قلقه من مساعي طهران للحصول على سلاح نووي.


من شأن إنهاء الحرب سريعاً أن يهدئ الأسواق، إلا أن العودة إلى مستويات المعروض والأسعار التي كانت سائدة قبل اندلاع الصراع قد تستغرق أسابيع أو شهوراً، تبعاً لحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وقطاع الشحن.

وقال جويل هانكوك، محلل الطاقة في ناتيكسيس سي.آي.بي لرويترز «بالنظر إلى الأضرار المادية الناجمة عن الضربات الإيرانية، لم نر حتى الآن ما يمكن اعتباره تغييراً هيكلياً، رغم أن الخطر سيظل قائماً ما دامت الحرب مستمرة».

ويبقى السؤال الأبرز بالنسبة لإمدادات الطاقة هو متى وكيف سيصبح مضيق هرمز آمناً للملاحة مجدداً. وقد عرض ترامب توفير حراسة بحرية لناقلات النفط وتعهد بتقديم دعم تأميني أميركي للسفن العاملة في المنطقة.

لكن مصادر استخباراتية وعسكرية قالت إن تحقيق السلامة الكاملة في هذا الممر المائي قد يكون صعباً، نظراً لقدرة إيران على مواصلة هجمات الطائرات المسيرة على السفن لعدة شهور.

كما قد يدفع الصراع الدول إلى زيادة احتياطياتها الاستراتيجية من النفط في الأسابيع والشهور التي تعقب انتهائه، بعدما كشف عن مخاطر نقص المخزونات، وهو ما قد يعزز الطلب ويدعم الأسعار.


امتدت تداعيات اضطراب شحنات الطاقة إلى سلاسل الإمداد والاقتصادات الآسيوية المعتمدة على الواردات، والتي تحصل على نحو 60% من احتياجاتها من النفط الخام من الشرق الأوسط.

ففي الهند، قالت مصادر إن شركة مانجالور للتكرير والبتروكيماويات المملوكة للدولة أعلنت حالة القوة القاهرة على شحنات تصدير البنزين، لتنضم إلى عدد متزايد من المصافي في المنطقة غير القادرة على الوفاء بعقود البيع بسبب نقص الإمدادات.

كما خفّضت مصفاتان على الأقل في الصين إنتاجهما، في حين طلبت بكين من المصافي تعليق صادرات الوقود. وعلقت تايلاند صادرات الوقود أيضاً، بينما أوقفت فيتنام شحنات النفط الخام.


وقد منح هذا الاضطراب دفعة لروسيا، إذ ارتفعت أسعار شحنات النفط الخام الروسي بعد أن منحت الولايات المتحدة مصافي التكرير الهندية إعفاء لمدة 30 يوماً لشراء الخام الروسي لتعويض النقص في الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، بعدما كانت واشنطن تضغط على نيودلهي لخفض وارداتها من النفط الروسي تحت تهديد فرض رسوم جمركية.

وفي اليابان، ثاني أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، قفزت العقود الآجلة للطاقة الأساسية في طوكيو للسنة المالية التي تبدأ في أبريل نيسان بأكثر من الثلث هذا الأسبوع في بورصة الطاقة الأوروبية، وسط توقعات بارتفاع أسعار الوقود. وفي سول اصطف السائقون في محطات الوقود تحسباً لارتفاع الأسعار.

أما في أوروبا، فيمثل ارتفاع أسعار الغاز وأزمة الإمدادات ضربة مزدوجة للمستهلكين، إذ كانت المنطقة الأكثر تضرراً من انقطاع إمدادات الغاز عقب العقوبات المفروضة على واردات الطاقة الروسية بعد غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022.

وقد لجأت أوروبا إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال لتعويض الغاز الروسي الذي كان يُنقل عبر الأنابيب، وهي تحتاج الآن إلى شراء نحو 180 شحنة إضافية من الغاز الطبيعي المسال مقارنة بالعام الماضي لملء مخزوناتها إلى المستويات المطلوبة قبل الشتاء المقبل.

وتظل مخاطر الإمدادات أقل بالنسبة للولايات المتحدة التي تحولت خلال السنوات القليلة الماضية إلى أكبر منتج للنفط والغاز في العالم. ومع ذلك ترتفع أسعار النفط الخام والوقود داخل البلاد بالتوازي مع الأسواق العالمية، ما يؤدي إلى زيادة أسعار البنزين والديزل حتى مع وفرة المعروض المحلي.

وأظهرت بيانات رابطة السيارات الأميركية أن متوسط سعر التجزئة للبنزين في الولايات المتحدة بلغ 3.32 دولاراً للغالون أمس الجمعة، بارتفاع 34 سنتاً مقارنة بالأسبوع الماضي، فيما بلغ سعر الديزل 4.33 دولاراً للغالون ارتفاعاً من 3.76 دولاراً قبل أسبوع.

ويمثل ارتفاع أسعار الوقود في محطات التعبئة خطراً سياسياً كبيراً على ترامب والجمهوريين مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر تشرين الثاني.




تم نسخ الرابط