لطائف و قطائف… سمير زايد (27)
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
يُعَدّ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ من أعظم الآيات التي تجلّى فيها الإعجاز البلاغي والروحي في القرآن الكريم، حيث تحمل في ألفاظها القليلة معاني عميقة تتصل بعلاقة العبد بربه، وتُبرز سموّ الخطاب الإلهي ودقته. وقد توقّف عند هذه الآية العلماء والمفسرون طويلًا، لما فيها من لطائف لغوية ودلالات عقدية وتربوية عظيمة.
أول مظاهر الإعجاز في هذه الآية يتمثل في أسلوب الخطاب. فقد جاءت الآية ضمن سياق آيات الصيام، وكان المتوقع أن يكون الجواب على نسق ما قبله من الآيات، أي أن يأتي بوساطة: "قل". لكننا نجد أن الله تعالى حذف كلمة "قل"، فقال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ مباشرة. وهذا الحذف ليس اعتباطيًا، بل هو من أبلغ صور القرب؛ إذ يشير إلى أن الله سبحانه لا يحتاج إلى واسطة بينه وبين عباده، كما قال الإمام القرطبي في تفسيره: "في حذف (قل) إشارة إلى كمال القرب، وأنه لا واسطة بينه وبين عباده في الإجابة". فهذا الأسلوب يرسّخ في نفس المؤمن شعور الأنس بالله، ويُزيل الحواجز النفسية التي قد تحول بين العبد ودعائه.
ومن وجوه الإعجاز كذلك تقديم الجواب بسرعة: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، فجاءت الفاء لتعطي معنى التعقيب المباشر، وكأن القرب الإلهي حاصل فور السؤال. وهذا ما أشار إليه ابن كثير في تفسيره، حيث بيّن أن الله تعالى قريب من عباده، يسمع دعاءهم ويعلم حالهم. فالقرب هنا ليس قرب مكان، بل قرب علم وإحاطة ورحمة.
ومن أوجه الإعجاز البلاغي أيضًا استخدام الجملة الاسمية في قوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، وهي تدل على الثبات والاستمرار، أي أن قرب الله من عباده ليس مؤقتًا أو عارضًا، بل هو دائم لا ينقطع. وهذا يعمّق شعور الأمان في نفس المؤمن، ويجعله دائم الصلة بربه.
كما أن التعبير بكلمة "عبادي" يحمل دلالة عظيمة؛ إذ أضاف الله العباد إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، مما يدل على عناية الله بعباده المؤمنين. وقد ذكر فخر الدين الرازي في "مفاتيح الغيب" أن هذه الإضافة تقتضي مزيدًا من الرحمة واللطف، لأن الله سبحانه إذا نسب العبد إليه دلّ ذلك على اختصاصه بالعناية.
ثم يأتي بعد ذلك قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وفي هذا وعد صريح بالإجابة، ولكنه مقيّد بشرط الإخلاص والصدق في الدعاء. وقد فصّل الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" في معنى إجابة الدعاء، موضحًا أنها قد تكون بإعطاء المطلوب، أو بدفع ضرر، أو بادخار الأجر في الآخرة، وكل ذلك داخل في معنى الإجابة.
ومن لطائف هذه الآية أيضًا أنها جمعت بين القرب والإجابة، وهما أساس العلاقة بين العبد وربه. فالقرب يولّد الطمأنينة، والإجابة تولّد الرجاء، وبهما يتحقق التوازن الإيماني في قلب المؤمن.
كذلك نلحظ أن الآية لم تذكر وسيلة محددة للدعاء، مما يدل على عمومه وشموله، وأن العبد يمكنه أن يدعو الله في أي حال وفي أي وقت. وهذا من رحمة الله بعباده، حيث لم يقيّد الدعاء بشروط معقدة، بل جعله متاحًا للجميع.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن هذه الآية جاءت في وسط آيات الصيام، وكأنها تشير إلى أن الصيام يقرّب العبد من الله، ويجعله أكثر استعدادًا للدعاء والاستجابة. وقد ذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" أن إدراج هذه الآية في هذا الموضع فيه تنبيه إلى أن الصيام من أسباب قبول الدعاء.
رمضان كريم