الأحد 29 مارس 2026 الموافق 10 شوال 1447

وائل عطية يكتب: بين الترشيد والاستنزاف… فاتورة جناحي الطاقة التي تلتهم الاقتصاد

200
المستقبل اليوم

لا خلاف على أن قطاعي البترول والكهرباء يمثلان جناحي منظومة الطاقة في مصر غير أن هذا الجناح المزدوج تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مصدر قلق متزايد لمتابعي الأداء الاقتصادي. فلم تعد أزمة الطاقة مجرد ضغوط طارئة يمكن تجاوزها بإجراءات مؤقتة، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لاختلالات أعمق في إدارة أحد أهم الملفات الحيوية في الدولة.
يأتي قطاع البترول في مقدمة هذه الأزمة حيث تكشف الأرقام بوضوح حجم الفجوة، إذ تنتج مصر ما بين ٥٥٪؜ و ٦٥٪؜ فقط من احتياجاتها من البترول فيما يتم تغطية الباقي عبر الاستيراد أو من خلال حصة الشريك الأجنبي بتكلفة سنوية تتراوح بين ١٨ و ٢٢ مليار دولار. هذه الفاتورة الضخمة والمرشحة للتضاعف خلال الفترة القادمة تمثل عبئًا مستمرًا على الموارد الدولارية، وتجعل استمرار هذا النمط أقرب إلى معادلة غير قابلة للتعايش.
وتزداد الصورة تعقيدًا عند النظر إلى جانب الصادرات، إذ لا تتجاوز إيرادات الصادرات البترولية نحو ٥.٥ مليار دولار وهو ما يؤكد وضع مصر كمستورد رئيسي للطاقة. هذا الاختلال يضع الاقتصاد تحت ضغط دائم حيث تتحول الأولوية إلى تأمين العملة الأجنبية لتلبية الاحتياجات الأساسية على حساب توجيه الموارد إلى قطاعات إنتاجية أكثر قيمة.

أما في قطاع الكهرباء فالوضع لا يقل تعقيدًا، بل يطرح تساؤلات أكثر حدة. فبينما يمكن تفسير فجوة المنتجات البترولية بمعادلة الإنتاج والاستهلاك يصعب تبرير حجم الفاقد داخل شبكة الكهرباء نفسها، إذ يتراوح الفاقد الفني والتجاري بين ١١٪؜ و ١٣٪؜ من إجمالي الإنتاج ما يعني أن نسبة مؤثرة من الطاقة تضيع قبل أن تصل إلى المستهلك. ويضاف إلى ذلك سرقات الكهرباء التي تشير تقديرات إلى أنها تتجاوز ١٠٪؜ وقد تصل إلى ١٥٪؜ في بعض الحالات. وبذلك، فإن نحو ربع الطاقة المنتجة لا يتم تحصيل قيمتها فعليًا وهو مؤشر يعكس تحديات تقنية وضعف واضح في الحوكمة والرقابة.
في خضم هذه التحديات تبرز الطاقة الشمسية كأحد أهم الموارد غير المستغلة بالشكل الكافي في منظومة الكهرباء المصرية، رغم ما تمتلكه البلاد من إمكانات استثنائية. فمصر تُعد من أعلى دول العالم في معدلات الإشعاع الشمسي ومع ذلك لا تزال مساهمة الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء محدودة نسبيًا ولا تعكس هذا التفوق الطبيعي. صحيح أن مشروعات الطاقة الشمسية وعلى رأسها مشروع بنبان بقدرة تصل إلى نحو ١.٥ جيجاوات واستثمارات تتجاوز ٢ مليار دولار والذي يمثل نموذجًا ناجحًا على مستوى المشروعات الكبرى إلا أن أثره لم يمتد بعد ليُحدث تحولًا واسعًا في هيكل الإنتاج الكهربائي. وبصورة عامة تدور مساهمة الطاقة المتجددة حول ٢٠٪؜ من مزيج الكهرباء بينما تظل حصة الطاقة الشمسية جزءًا محدودًا من هذه النسبة. وهنا يبرز تساؤل قوى: كيف لمورد بهذا الحجم من الوفرة أن يظل تأثيره مقيدًا دون أن يتحول إلى خيار واسع الانتشار على مستوى المنازل والقطاع الخاص؟
في المقابل، تبدو الإجراءات الحكومية الأخيرة أقرب إلى إدارة يومية للأزمة منها إلى معالجة جذرية لها. فترشيد الإضاءة أو تقليص ساعات العمل قد يحقق وفورات محدودة لكنه في الوقت نفسه يبعث برسائل سلبية إلى الأسواق خاصة في ظل سعي الدولة لجذب الاستثمارات. فالمستثمر لا يهتم فقط بالتكلفة، بل ينظر أيضًا إلى استقرار السياسات ووضوح الرؤية وأي إشارات إلى اضطراب الإمدادات أو القيود المفاجئة تضعف الثقة.
الحل الحقيقي لا يقتصر على خفض الاستهلاك، بل يتطلب إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الطاقة. ومن أكثر المسارات واقعية تحويل المواطن من مستهلك إلى منتج للطاقة عبر التوسع في استخدام الطاقة الشمسية على مستوى المنازل. ويتحقق ذلك من خلال دعم تركيب الألواح الشمسية بآليات تمويل منخفضة التكلفة إلى جانب تفعيل الربط مع الشبكة القومية وتطبيق نظام صافي القياس بحيث يتم احتساب الفارق بين ما يضخه المواطن من كهرباء إلى الشبكة وما يستهلكه منها. هذا النموذج يمكن أن يخفف الضغط على الشبكة خلال سنوات قليلة ويحد تدريجيًا من الاعتماد على الاستيراد كما أثبتت تجارب إقليمية ناجحة وعلى رأسها التجربة الأردنية.
بالتوازي، يصبح إصلاح شبكة التوزيع أولوية لا تحتمل التأجيل. فخفض الفاقد إلى أقل من ٧٪؜ يمكن أن يوفر طاقة تعادل إنتاج محطات كاملة دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في إنشاء قدرات جديدة. كما أن التعامل مع سرقات الكهرباء يجب أن يتحول إلى قضية اقتصادية رئيسية تُواجه بتطبيق القانون بشكل عادل مدعومًا باستخدام التكنولوجيا في الرصد والتحصيل.

وفي الخلفية يظل تعزيز الإنتاج المحلي من البترول والغاز عنصرًا حاسمًا. فالإسراع في سداد مستحقات الشركاء وتحسين مناخ الاستثمار ساهم نوعيا في إعادة الزخم إلى أنشطة البحث والاستكشاف بما سيسهم في تقليص فجوة الاستيراد على المدى المتوسط. كما أن 
الانتباه الى مطالبنا المتكررة للتوجه نحو تأمين مصادر خارجية عبر اتفاقيات مشاركة إنتاج في مناطق مثل أفريقيا والعراق وجنوب شرق آسيا قد يمثل خيارًا استراتيجيًا داعمًا في ظل التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول القائمة نتيجة تقادمها ونضوب الخزانات فضلاً عن محدودية الاكتشافات الجديدة التي لا تزال غير كافية لتعويض هذا التراجع أو إحداث زيادة ملموسة في القدرات الإنتاجية.

وفي الوقت ذاته، يمكن أن يشكل التوسع في الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة مثل تصنيع مكونات الألواح الشمسية والهيدروجين الأخضر فرصة لتحويل الأزمة إلى قيمة اقتصادية مضافة.
لا تكمن المشكلة في نقص الموارد بقدر ما ترتبط بكيفية إدارتها. فمصر تمتلك مقومات كبيرة من موقع جغرافي متميز إلى موارد طبيعية وبنية تحتية واسعة لكنها في المقابل تتحمل فاتورة طاقة مرتفعة وتهدر جزءًا ذا قيمة مما تنتجه. وبينما قد تكون إجراءات الترشيد ضرورية على المدى القصير فإن الاعتماد عليها دون إصلاحات هيكلية يعني ببساطة تأجيل الأزمة لا حلها.
لم تعد أزمة الطاقة مجرد ملف فني، بل اختبار حقيقي للقدرة على الانتقال من إدارة العجز إلى إدارة الكفاءة. والسؤال الأهم لم يعد: هل توجد أزمة؟ بل: هل هناك استعداد لاتخاذ قرارات صعبة تعيد رسم المسار قبل أن تصبح التكلفة أعلى بكثير .




تم نسخ الرابط