الخميس 21 مايو 2026 الموافق 04 ذو الحجة 1447

د جمال القليوبي يكتب: خط الغاز القبرصي المصري …وسباق الدخول إلى السوق

109
المستقبل اليوم

 

من خلال التقييم الاولي والمتقدم  لمشروع خط الغاز القبرصي المصري تحت الإنشاء حيث يمثل أحد أهم المشروعات الاستراتيجية في شرق البحر المتوسط ، ليس فقط لكونه يربط احتياطيات الغاز القبرصية بالبنية التحتية المصرية العملاقة، ولكن لأنه يفتح باباً واسعاً لتحول لتامين أوروبا ورفع قدرات الاقتصاد القبرصي من بيع الغاز وكذلك تاكيد ان مصر مركز إقليمي لتجارة وتسييل وتصدير الغاز نحو أوروبا والأسواق العالمية. كما يعكس المشروع حجم التنافس الدولي بين كبريات الشركات الأمريكية والعالمية الساعية للسيطرة على سوق الغاز في شرق المتوسط والاستفادة من الموقع المصري الفريد.

طبقاً للمعلومات الفنية المتداولة والدراسات الأولية الخاصة بمشروع ربط حقل “أفروديت” القبرصي بالبنية التحتية المصرية، فإن مواصفات خط الغاز المصري القبرصي المتوقعة تتراوح في طوله ما بين 300 إلى 350 كيلومتراً تحت سطح البحر، وفقاً لمسار الربط النهائي بين الحقول القبرصية والساحل المصري كما ان قطر خط الأنابيب يتراوح بين 24 إلى 26 بوصة، وهي أقطار مناسبة لنقل كميات تجارية كبيرة من الغاز الطبيعي من الحقول القبرصية إلى الشبكة المصرية ومحطات الاساله وتبلغ التكلفة التقديرية التي تشير اليها بعض التقديرات الحديثة إلى أن تكلفة المشروع قد تتجاوز 2 إلى 3.5 مليار دولار بحسب المسار النهائي وعدد خطوط الربط.

وقد شهدت قبرص خلال السنوات الماضية نشاطاً مكثفاً في أعمال البحث والاستكشاف، حيث تعمل عدة شركات عالمية كبرى في المياه الاقتصادية القبرصية، أبرزها شركة شيفرون الأمريكية، وإكسون موبيل الأمريكية، وشركة “قطر للطاقة”، بالإضافة إلى شركات أوروبية أخرى مثل “إيني” الإيطالية و”توتال إنرجي” الفرنسية. وتمكنت هذه الشركات من تحقيق اكتشافات غازية واعدة عززت من أهمية قبرص كمصدر جديد للغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط.
وتأتي شركة شيفرون في مقدمة الشركات الأكثر اندفاعاً لدعم مشروع خط الغاز المصري القبرصي، خاصة بعد استحواذها على حقوق مهمة في حقل “أفروديت”، الذي يعد من أكبر الاكتشافات القبرصية، بالإضافة إلى تسريع خطط تنمية حقل “كرونوس” المكتشف حديثاً. وقد أدركت شيفرون والحكومة القبرصية أن أسرع وأقل الحلول تكلفة لتحقيق العائد الاقتصادي من تلك الحقول هو ربطها مباشرة بالبنية التحتية المصرية، سواء عبر الشبكة القومية للغاز أو مصانع الإسالة المصرية في إدكو ودمياط.

ويمثل هذا الخيار أهمية كبيرة لأوروبا التي تسعى منذ الأزمة الروسية الأوكرانية إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي. لذلك أصبح الغاز القبرصي عبر مصر أحد البدائل المطروحة بقوة أمام السوق الأوروبية، خاصة أن مصر تمتلك بالفعل بنية تحتية جاهزة للتسييل والتصدير دون الحاجة إلى إنشاء مصانع جديدة بتكلفة ضخمة داخل قبرص.

وفي المقابل، تتحرك شركة إكسون موبيل الأمريكية بقوة هي الأخرى داخل قبرص، بالشراكة مع “قطر للطاقة”، حيث نجحت الاستكشاف والتطوير في البلوكين البحريين رقم 10 ورقم 5  ، يُعتبر أهم استثمار للشركة في قبرص، حيث تمتلك ٦٠٪؜ منشغل رئيسي ٤٠٪؜ لقطر للطاقه وقد حققت الشركة عدة اكتشافات غازية ضخمة أهمها حقل (جلاوكوس)
تم اكتشافه عام 2019 كما ان التقديرات الأولية تشير إلى احتياطيات تتراوح بين 3.5 إلى 8 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي ، ويُعد من أكبر اكتشافات الغاز غير المطورة في شرق المتوسط.. وهنا ايضا حقل (بيجاسوس) وهو اكتشاف جديد أُعلن عنه في 2025 يقع أيضاً داخل البلوك 10. وأظهرت أعمال الحفر وجود مكمن غازي بسُمك يقارب 350 مترًا.و تشير التقديرات الحالية إلى أن إجمالي احتياطيات يصل إلى ما بين 6 و9 تريليون قدم مكعب.  

مهمة منذ عام 2019 داخل البلوك رقم 10، ثم تواصلت الاكتشافات الجديدة خلال عام 2025 بما عزز التوقعات بوجود احتياطيات اقتصادية ضخمة قابلة للتنمية التجارية السريعة. وتسعى إكسون موبيل حالياً إلى وضع مخطط متكامل لتنمية تلك الحقول وربطها مستقبلاً بخط الغاز المصري القبرصي المزمع تشغيله.

وتدرك إكسون موبيل أن استخدام البنية التحتية المصرية يوفر لها ميزة اقتصادية هائلة، حيث يختصر سنوات من الإنشاءات المكلفة، ويتيح لها الوصول المباشر إلى السوق المصري الضخم، بالإضافة إلى إعادة تصدير الغاز المسال إلى أوروبا. ولذلك تسعى الشركة إلى تعزيز تفاهماتها مع وزارة البترول المصرية عبر بروتوكولات واتفاقات تسمح باستخدام مصانع الإسالة المصرية وخطوط النقل والشبكات القومية بما يحقق أعلى ربحية ممكنة خلال فترة زمنية قصيرة.

ومن هنا يظهر بوضوح سباق التنافس بين شيفرون وإكسون موبيل على حجز النصيب الأكبر من قدرات الخط القبرصي المصري، وكذلك الاستفادة من السوق المصري محلياً. فمصر لا تمثل فقط ممراً للتصدير، وإنما تعد سوقاً استهلاكية وصناعية ضخمة تشمل محطات الكهرباء، وصناعة البتروكيماويات، ومصانع الأسمدة، والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وتسعى كل شركة إلى ضمان عقود طويلة الأجل داخل مصر، سواء لتوريد الغاز أو للمشاركة في الصناعات المرتبطة به، وهو ما يمنح تلك الشركات نفوذاً اقتصادياً متزايداً داخل المنطقة. كما أن التنافس لا يقتصر على الأرباح التجارية فقط، بل يمتد إلى النفوذ الجيوسياسي والتحكم في خريطة الطاقة بشرق المتوسط.

ورغم الفوائد الاقتصادية الكبيرة التي قد تحققها مصر من تشغيل الخط القبرصي المصري، سواء من رسوم النقل أو تشغيل مصانع الإسالة أو تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة، فإن الأمر يتطلب قدراً كبيراً من الحذر الاستراتيجي. فالتوسع في الاعتماد على الغاز المستورد من قبرص قد يفتح مستقبلاً الباب أمام نوع من التبعية الاقتصادية أو الضغوط السياسية غير المباشرة من الشركات الكبرى أو الدول الداعمة لها.

كما أن الشركات العالمية العملاقة تتحرك دائماً وفق مصالح اقتصادية وسياسية متشابكة، وقد تستخدم ملف الطاقة مستقبلاً كورقة ضغط أو تفاوض في قضايا إقليمية مختلفة. لذلك ينبغي أن تحافظ مصر على توازن دقيق بين الاستفادة من البنية التحتية الحالية وتعظيم العائد الاقتصادي، وبين الاستمرار بقوة في خطط البحث والاستكشاف المحلية داخل البحر المتوسط والدلتا والصحراء الغربية وخليج السويس.

ومن الضروري أيضاً تنويع مصادر الغاز وعدم الاعتماد على مصدر واحد، إلى جانب توقيع عقود متنوعة مع عدة دول وشركات، بما يضمن حماية الأمن القومي الطاقوي المصري من أي تقلبات أو ضغوط مستقبلية. كما يجب التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر ورفع كفاءة الاستهلاك المحلي، حتى تظل مصر قادرة على الحفاظ على استقلالية قرارها الاقتصادي والطاقة.

وعليه ، فإن خط الغاز القبرصي المصري يمثل فرصة استراتيجية كبيرة لمصر وقبرص معاً، لكنه في الوقت نفسه يعكس صراعاً دولياً متزايداً على أسواق الغاز والنفوذ في شرق المتوسط. وستكون قدرة مصر على إدارة هذا الملف بحكمة وتوازن هي العامل الحاسم في تحويل المشروع إلى مكسب اقتصادي وسياسي طويل الأمد، بدلاً من أن يتحول مستقبلاً إلى أداة للضغوط أو التبعية …والي تكمله قادمه




تم نسخ الرابط