الإثنين 30 مارس 2026 الموافق 11 شوال 1447

ذكريات: حليم صفحة هامة من تاريخ مصر

102
المستقبل اليوم

في مثل هذا اليوم من عام ١٩٧٧، وعلى سرير بارد في ليلة كئيبة من ليالي لندن الممطرة، بمستشفى كينجز كولدج، أودى نزيف حاد بحياة أكبر فنان عرفته منطقة الشرق الأوسط والعالم، وهو الفنان الخالد عبد الحليم حافظ.

متوسط أعمار من يعيشون بيننا اليوم لم يعيشوا أيامه، لأن من عمره اليوم خمسون عامًا وُلد عام وفاته، فما بالك بالشباب الأقل عمرًا. وعلى الرغم من مرور نصف قرن على وفاته، إلا أن جميع أطياف الشعب لا تزال تعرفه وتسمعه، ربما يوميًا في الإذاعة أو على الإنترنت أو في الأفراح أو في مناسبات النجاح، وحتى في الأعمال الدرامية.

حياة عبد الحليم حافظ ورقة في كتاب تاريخ مصر لا تنمحي أو تُنسى. حياته كانت فصولًا من المعاناة منذ دخوله الملجأ في محافظة الشرقية بقرية الحلوات بعد وفاة أمه، مرورًا بحياة الفقر التي عاشها مع أخيه، ثم رحلته مع الفن والشهرة التي شاركه المرض والنزيف فيها نتيجة إصابته بالبلهارسيا منذ طفولته.

صوت حليم كان صوتًا لضمير الشعب عندما تغنّى لثورة يوليو ٥٢ وجمال عبد الناصر، بكلمات ما زالت في ذاكرة الشعب عندما هتف: ناصر يا حرية.. ناصر يا وطنية. تغنّى لأرض مصر والسد العالي، وكانت أغنياته “بالأحضان يا بلدنا الحلوة” و”عدّى النهار” وقودًا للحماس وإشعال جذوة الوطنية والتضحية من أجل الوطن بعد حرب ٦٧.

تغنّى لحرب أكتوبر ٧٣ وقائدها عندما صدح بكلمات “عاش اللي قال”، عدو القناة، وكانت رمزًا للانتصار وعودة الكرامة الوطنية. برع في تشكيل جيش فني عتيد من صلاح جاهين والموجي وبليغ وعبد الرحمن الأبنودي ومجدي العمروسي ومصطفى أمين، ووقف مع جيش بلاده العسكري في كل حروبه ومهماته الصعبة.

كان له صولات وجولات في عالمه الفني، واختلف مع السيدة أم كلثوم لاعتزازه بنفسه، وما لبث أن اعتذر لها، فلا أحد يستطيع مواجهة الست، وهو أول من قال إن أم كلثوم هي الهرم الرابع في مصر.

أسس مع الموسيقار محمد عبد الوهاب شركة “صوت الفن” لإنتاج شرائط الكاسيت والأسطوانات، وتغنّى بروائع “أي دمعة حزن لا” و”قارئة الفنجان” التي تعيش بيننا حتى الآن، وآلاف الأغاني القصيرة المحفوظة في أذهان الصغار قبل الكبار.

أحاطت حياته الخاصة الكثير من الشائعات، لكنه لم يتزوج أو ينجب، وكان مرضه سببًا مباشرًا. حليم كان ظاهرة لا يمكن أن تتكرر، لأنه يعيش بأغانيه وأعماله في ذاكرة الناس، على الرغم من أن أغلبهم لم يره أو يعيش أيامه، لكنه استطاع أن يبقى جزءًا من حياتهم في الأفراح والمناسبات الوطنية، ولا يحلو نجاح الأولاد إلا بأغنيته الخالدة “الناجح يرفع إيده”.

كان، للأسف، ضيفًا مستديمًا على الدكتور ياسين والدكتور سويدان، أساتذة أمراض الكبد، لعلاجه من التليف الذي أصاب كبده، وكان هو المرض الذي عاش معه وبه انتهت حياته في لندن، وعاد منها ملفوفًا بعلم بلاده.

كرّمته الدولة المصرية عدة مرات، وحصل على عدد من الأوسمة من الدول العربية، حيث كان ضيفًا على كافة المناسبات الملكية والرئاسية بها. وصُكّت عملة ذهبية بصورته من فئة الخمسة جنيهات، والتي أصبحت الآن من العملات النادرة التي يتهافت عليها مقتنو وهواة العملات النادرة.

لن تستطيع تلك النبذة البسيطة أن تتسع لحياة حليم وتفاصيلها، لكنها على الأقل لمسة وفاء واحترام لاسم هذا الرمز الذي لا يُنسى. وسلامًا على روحه الطيبة وعلى كافة كتيبته الفنية التي لم ولن تتكرر.
#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط