الأربعاء 29 أبريل 2026 الموافق 12 ذو القعدة 1447

وائل عطية يكتب: ضربة في قلب أوبك: لماذا اختارت الإمارات الانسحاب الآن؟

232
المستقبل اليوم

لم يكن انسحاب الإمارات من أوبك مجرد قرار سيادي عابر، بل طعنة ناعمه في قلب نظام البترول الذي حكم العالم لعقود. فحين تغادر دولة بحجم وثقل أبوظبي الطاولة لا يتغير عدد المقاعد فقط، بل تتبدل قواعد اللعبة نفسها ويصبح السؤال الأهم: من يملك البترول… ومن يملك القرار؟

لم يكن تاريخ منظمة الدول المصدرة البترول (أوبك) يومًا خطًا مستقيمًا من التماسك والاستقرار، بل سلسلة من التصدعات الصامتة التي عكست تحولات أعمق في توازنات السياسة والاقتصاد العالمي. غادرت إندونيسيا بعد أن تحولت من مُصدر إلى مستورد وانسحبت قطر حين أعادت تعريف أولوياتها نحو الغاز وتبعتها الإكوادور وأنغولا تحت ضغط الحسابات السيادية والاقتصادية. لم تكن تلك انسحابات معزولة، بل إشارات مبكرة إلى أن أوبك كيان قابل للتآكل كلما تغيّرت مصالح أعضائه.

في هذا السياق لا يبدو قرار الإمارات خروجًا مفاجئًا بقدر ما هو ذروة مسار طويل من إعادة التموضع. فالدولة التي أعادت تشكيل اقتصادها خارج البترول تدريجيًا ووسّعت شراكاتها مع الغرب لم تعد ترى في نظام الحصص سوى قيد على طموحها الإنتاجي. ومع امتلاكها طاقة فائضة كبيرة أصبح البقاء داخل أوبك أقرب إلى التضحية بفرص الربح منه إلى تحقيق الاستقرار.

لكن توقيت القرار هو ما يمنحه ثقله الحقيقي. فالعالم يعيش لحظة توتر قصوى حيث تتداخل الحرب في المنطقة مع اختناقات الإمداد في مضيق هرمز فيما تتغير موازين القوة في سوق الطاقة. هنا لا يصبح الانسحاب مجرد خطوة اقتصادية، بل قرارًا جيوسياسيًا بامتياز إعادة تموضع في لحظة اضطراب لا في زمن استقرار.

خروج الإمارات يضرب في صميم قدرة أوبك على إدارة السوق. فليست المسألة فقدان عضو فحسب، بل خسارة أحد الأعمدة التي تستند إليها المنظمة في التحكم بالإمدادات. بطاقة إنتاجية تقارب ٤.٨ مليون برميل يوميًا كانت الإمارات جزءًا من صمام الأمان الذي يمكّن أوبك من امتصاص الصدمات. ومع غيابها يصبح هذا الصمام أضعف، ويصبح السوق أكثر عرضة للاهتزاز.

وفي قلب هذا المشهد تقف السعودية أمام معادلة أكثر تعقيدًا. فكلما تقلص عدد الأعضاء القادرين على الالتزام زاد العبء عليها منفردة لضبط التوازن. لكن سوقًا بحجم وتعقيد سوق البترول لا يمكن إدارته بإرادة دولة واحدة مهما بلغ نفوذها.

الأخطر أن هذه الخطوة قد تكون بداية سلسلة لا نهايتها. فحين تكسر دولة كبيرة القاعدة يصبح من الأسهل على الآخرين مراجعة التزاماتهم. ومع اتساع الفجوة بين الحصص والقدرات الفعلية ومع تغير قواعد الربحية في سوق الطاقة قد تتحول أوبك تدريجيًا من تحالف قوي إلى مظلة رمزية.

ومع ذلك لا يعني الانسحاب الإماراتي فوضى فورية. فالدولة تؤكد استمرار التزامها بتأمين الإمدادات لكن وفق منطق مختلف: مرونة أعلى واستقلالية أكبر واستجابة أسرع لتقلبات السوق. وهنا يكمن التحول الحقيقي من نظام جماعي مُقيّد إلى سلوك فردي أكثر برجماتية.

على المدى القصير قد تخفي الضبابية الجيوسياسية حجم التأثير. لكن على المدى البعيد تتشكل ملامح سوق البترول أقل مركزية وأكثر تقلبًا وأقل قابلية للضبط عبر تحالف واحد. لم تعد أوبك اللاعب الوحيد ولم يعد قرار سوق البترول يُصنع داخل غرفة مغلقة.

في النهاية لا يتعلق الأمر بانسحاب الإمارات فقط، بل بما يكشفه هذا الانسحاب: أن نظام البترول الذي عرفه العالم لعقود يدخل مرحلة إعادة تعريف. لم تعد الهيمنة مضمونة ولم يعد الاستقرار يُدار بالأدوات القديمة.

السؤال لم يعد: هل تضعف أوبك؟
بل: هل انتهى عصر التحكم… وبدأ عصر إدارة الفوضى؟




تم نسخ الرابط