الخميس 30 أبريل 2026 الموافق 13 ذو القعدة 1447

التعدين..نصف وزير البترول الآخر...المقال والتعقيب

89
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

سوف تكتشف وأنت تتابع عمل وزارات الحكومة، أن لكل وزارة تقريبًا مسمى يغطي اختصاصين، وأن الاختصاص الذي يشتهر به الوزير إعلاميًا يطغى على الاختصاص الثاني ويظلمه، بل أحيانًا يبدو وكأن النصف الأول من المسمى قد ذهب بكل الاهتمام عمليًا داخل الوزارة، فلم يترك شيئًا للنصف الآخر يحصل عليه.

مثلًا.. يشتهر المهندس كريم بدوي بأنه وزير البترول، ولكن الحقيقة أنه وزير للبترول والثروة المعدنية، وهو مدعو بالتالي إلى أن يعمل على مستويين متوازيين، أحدهما النفط ومعه الغاز بالطبع، وثانيهما الثروة المعدنية بكل ما تضم من أنواع المعادن.

ولكنك لو استعرضت النشاط المنشور للوزير بدوي، ستجده في غالبيته العظمى للبترول وللغاز والاكتشافات الجديدة فيهما. أما المعادن على أنواعها من الذهب إلى النحاس إلى الحديد… إلى… إلى… فلا تكاد تقع لهما على نصيب فيما هو منشور، رغم أن الثروة المعدنية تتقاسم مسمى الوزارة مع البترول، وعلى طريقة النصف بالنصف!

ولا أعرف ما إذا كان هذا تقصيرًا من الإعلام في تغطية أخبار النصف الآخر، أم أن الوزارة منشغلة بالبترول والغاز عن الثروة المعدنية؟.. لا أعرف.. ولكن ما أعرفه أن الجزائر، على سبيل المثال، وهي معروفة بإنتاجها الكبير من النفط والغاز، قد استحدثت وزارة في الحكومة للمعادن.. فكأنها تريد أن تضع المعادن والمناجم مع البترول والغاز رأسًا برأس.

مثال آخر.. الدكتور محمود عصمت يشتهر بين الناس بأنه وزير الكهرباء، بينما الحقيقة أنه وزير للكهرباء والطاقة المتجددة.. وهذه الطاقة المتجددة تمتد لتشمل توليد الطاقة من الشمس ومن الرياح ومن مصادر أخرى سواهما. وبحكم موقعنا الجغرافي، فإن الطاقة الشمسية يمكن أن تكون مجالًا واسعًا للعمل والإنتاج.. ولكن الكهرباء، كما ترى، قد ذهبت بكل شيء في مسمى الوزير والوزارة لدى عامة الناس، ولا تكاد تتبقى مساحة للطاقة المتجددة التي تتميز، ليس فقط بأنها متجددة بطبيعتها، ولكن بأنها صديقة للبيئة فلا تتسبب في أضرار صحية للإنسان.

مثال ثالث.. الوزير محمد عبد اللطيف نعرفه على أنه وزير التعليم، بينما الحقيقة أنه وزير للتعليم والتعليم الفني، وإذا شئنا الدقة قلنا إنه وزير للتربية والتعليم، ومعهما التعليم الفني.

من قبل كان مبنى الوزارة في المنيرة يحمل على واجهته لافتة بالمسمى المزدوج، ولم يكن الاختصاص الثالث قد أضيف إليهما، ولكن الرجل لا يزال في نظر غالبية الناس: وزير التعليم.. وفقط.. وربما لا يذكر كثيرون أننا جاء علينا يوم كانت في الحكومة وزارة مستقلة للتعليم الفني.

الوزراء الثلاثة مدعوون إلى أن يعدلوا بين النصفين، فينشغلوا أكثر بالنصف الآخر الذي لا يكاد يتجلى في الواقع العملي إلا على استحياء! إن حاجتنا إلى المعادن كثروة لا تقل عنها إلى البترول والغاز، وحاجتنا إلى الطاقة المتجددة لا تقل عنها إلى الكهرباء من مصادرها التقليدية، وحاجتنا إلى التعليم الفني ليست أقل منها إلى التعليم بمعناه العام. ولذلك، فليس أقل من أن تنشغل الحكومة بالنصف الثاني من مسمى كل وزارة انشغالها بالنصف الأول.

الكاتب سليمان جوده - المصري اليوم – 29 أبريل 2026)

تعقيب | النصف الآخر حاضر.

طرح مقال «نصف الوزير الآخر» رؤية تستحق التوقف عندها، خاصة فيما يتعلق بوزارة البترول والثروة المعدنية، وفكرة أن ملف الثروة المعدنية لا يحظى بالاهتمام الكافي مقارنة بملف البترول والغاز.

لكن، وللإنصاف، فإن الواقع العملي داخل الوزارة خلال الفترة الأخيرة يشير إلى أن المهندس كريم بدوي لم يُهمل ملف الثروة المعدنية، بل شهد هذا الملف تحركات مهمة قد لا تحظى بنفس الزخم الإعلامي الذي تحققه الاكتشافات البترولية.

فملف التعدين بطبيعته مختلف؛ هو ملف طويل الأجل، يحتاج إلى تشريعات مستقرة، وبنية تنظيمية واضحة، واستثمارات ذات نفس طويل، وليس من النوع الذي ينتج عنه “خبر يومي” سريع مثل حفر بئر أو إعلان كشف جديد.

وخلال الفترة الماضية، تم اتخاذ خطوات جوهرية في هذا الاتجاه، من أبرزها:

* العمل على تحسين بيئة الاستثمار التعديني وجذب شركات عالمية.
* تطوير نظم طرح المزايدات الخاصة بالذهب والمعادن.
* إعادة هيكلة الجهات المعنية بالثروة المعدنية لتكون أكثر كفاءة ومرونة.
* التوسع في توقيع اتفاقيات بحث واستغلال مع شركات دولية، خاصة في مجال الذهب.

هذه التحركات قد لا تتصدر العناوين يوميًا، لكنها في حقيقتها تمثل تأسيسًا لقطاع يمكن أن يصبح أحد أعمدة الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة.

المشكلة، إذن، ليست بالضرورة في غياب الجهد، وإنما في غياب التغطية الإعلامية المكافئة، أو في طبيعة الملف نفسه الذي يتحرك بهدوء، بعيدًا عن “الضجيج” الذي يحيط بقطاع البترول والغاز.

وبالتالي، فإن الحديث عن “نصف غائب” قد يحتاج إلى إعادة صياغة أدق:
النصف الآخر موجود، ويتحرك، لكنه لا يظهر بنفس القوة في المشهد العام.

والتحدي الحقيقي هنا لا يقع فقط على عاتق الوزير، بل يمتد إلى المنظومة الإعلامية، التي مطالبة بإبراز هذا الملف الحيوي، بنفس القدر الذي تُبرز به ملفات الطاقة التقليدية.

لأن الحقيقة التي لا خلاف عليها:
أن مستقبل مصر الطاقي والاقتصادي لن يُبنى على البترول والغاز وحدهما، بل على مزيج متكامل، يأتي في قلبه قطاع التعدين كأحد أهم الرهانات القادمة.
#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط