الثلاثاء 21 يوليو 2026 الموافق 07 صفر 1448

ميناء الحمرا..الوجهة الصيفية لقيادات البترول على ساحل المتوسط

1826
المستقبل اليوم

تظل التجارب الوطنية الملهمة مصدر فخر واعتزاز لكل مصري، وعندما تتسابق الدول لإحكام سيطرتها على مفاتيح الطاقة، يبرز اسم شركة ويبكو وميناء الحمرا البترولي كواحد من أنجح النماذج المصرية في قطاع البترول، ولم يعد هذا الاسم مجرد عنوان لميناء بترولي على ساحل البحر المتوسط، بل أصبح قصة نجاح متواصلة تجمع بين التاريخ العريق والتطوير المستمر والرؤية المستقبلية.

تعود جذور شركة ويبكو إلى عام 1963، حين تأسست بموجب القانون رقم 155، لتبدأ رحلتها في قلب الصحراء الغربية، ومنذ ذلك الحين رسخت مكانتها كأحد أهم أركان صناعة البترول المصرية، وجاء الاكتشاف التاريخي لبئر العلمين (Alamein X-1)، الذي ظل يتدفق طبيعيًا لأكثر من ثلاثين عامًا، ليؤسس لانطلاقة حقيقية لصناعة البترول في الصحراء الغربية، ويضع ويبكو في مقدمة الشركات التي صنعت هذا التاريخ.

ومع بدء إنتاج الزيت من حقل العلمين عام 1968، بادرت الشركة بإنشاء ميناء الحمرا البترولي على ساحل البحر المتوسط ليكون مركزًا لتخزين وتصدير الخام، في خطوة أثبتت الأيام أنها كانت رؤية استباقية بعيدة المدى، وبرزت أهمية الميناء بصورة أكبر خلال حرب أكتوبر 1973، عندما لعب دورًا محوريًا في تأمين احتياجات البلاد من الوقود، بعد توقف إنتاج حقول خليج السويس نتيجة العمليات العسكرية.

بدأت رحلة الميناء بإمكانات بسيطة، حيث لم تتجاوز طاقته التخزينية آنذاك 1.5 مليون برميل، مع محطة شحن وشمندورة ومعامل تحليل، إلا أن التحديات الفنية المرتبطة بطول خطوط النقل وفروقات القياس ومعالجة المياه المصاحبة دفعت الشركة إلى مواصلة التطوير وتحسين كفاءة التشغيل عامًا بعد آخر.

ومع دخول شركة IPR كشريك لفترة محددة خلال التسعينيات، شهدت البنية الأساسية للميناء طفرة مهمة، خاصة في مجالات الصيانة والسلامة، قبل أن يعود الميناء بالكامل إلى مظلة شركة ويبكو، ليواصل أداء دوره كأحد أهم الأصول الاستراتيجية التابعة للهيئة المصرية العامة للبترول.

واليوم، أصبح ميناء الحمرا القلب النابض لحركة تداول الخام في الصحراء الغربية، حيث يستقبل إنتاج نحو 16 شركة بترولية تمثل ما يقرب من 50% من إجمالي إنتاج مصر من الزيت الخام، ولم يعد الميناء مجرد محطة تخزين، بل تحول إلى مركز لوجستي متكامل لتجميع الخام وتداوله وتصديره، مع قدرة متزايدة على دعم معامل التكرير والسوق المحلية.

إبراهيم مسعود…صانع التحول

وفي قلب هذه النقلة النوعية يقف المهندس إبراهيم مسعود، رئيس شركة ويبكو، الذي نجح في قيادة واحدة من أهم خطط التطوير التي شهدها الميناء منذ إنشائه. فقد جمع بين الخبرة الفنية والرؤية الاستراتيجية، ووضع نصب عينيه تحويل ميناء الحمرا إلى مركز إقليمي متطور قادر على مواكبة المتغيرات المتسارعة في صناعة الطاقة.

وخلال السنوات الخمس الماضية، ارتفعت الطاقة التخزينية للميناء إلى أكثر من 2.5 مليون برميل، كما زادت قدرات الشحن إلى نحو 500 ألف برميل يوميًا، مع إنشاء صهاريج حديثة تصل سعة الواحد منها إلى 630 ألف برميل، وإدخال أحدث أنظمة الرصد الراداري، وتطوير معامل التحاليل لضمان أعلى درجات الدقة في قياس جودة الخام ونسب المياه المصاحبة، وهو ما ساهم في إنهاء كثير من الملاحظات الفنية التي كانت تواجه مستخدمي الميناء.

كما شهدت فترة رئاسته إطلاق مشروع ضخم عام 2023 لإنشاء أربعة صهاريج جديدة على مساحة 120 فدانًا، إلى جانب تنفيذ مشروع خط نقل المنتجات البترولية من معمل ميدور بطول 140 كيلومترًا بواسطة شركة بتروجت، في خطوة تستهدف تعزيز مكانة الميناء كمركز متكامل لتخزين وتداول المنتجات البترولية.

ولأن السلامة تمثل ركيزة أساسية في صناعة البترول، أولت الإدارة اهتمامًا بالغًا بتحديث أنظمة مكافحة الحريق، وأنظمة الإنذار والاستشعار المبكر، ومراقبة الأبخرة والمستويات داخل الصهاريج، فضلًا عن ربط الميناء إلكترونيًا بشبكة معلومات الهيئة المصرية العامة للبترول، بما يضمن سرعة المتابعة ورفع كفاءة التشغيل.

من ميناء بترولي إلى مجتمع متكامل

ميناء الحمرا لم يعد يؤدي دوره البترولي فقط، بل اكتسب خلال السنوات الأخيرة بعدًا جديدًا فرضته المتغيرات التي شهدتها منطقة الساحل الشمالي، خاصة بعد النهضة العمرانية التي تعيشها مدينة العلمين الجديدة.

فقد أصبح الميناء مقرًا لإقامة عدد من قيادات قطاع البترول خلال أشهر الصيف، حيث تُدار منه العديد من الاجتماعات واللقاءات، في خطوة تحقق قدرًا من ترشيد النفقات مقارنة بالإقامة الفندقية، مستفيدين من المنشآت السكنية التي تم تطويرها داخل الميناء، والتي أصبحت تضاهي الفنادق في مستوى تجهيزاتها وخدماتها، فضلًا عن موقعها المتميز المطل على مياه البحر المتوسط.

والمفارقة أن هذا المكان، الذي ظل لسنوات طويلة لا يعرفه سوى العاملون به، أصبح اليوم واحدًا من أكثر المواقع حيوية داخل القطاع، فبعد تطوير مدينة العلمين الجديدة، اكتسب ميناء الحمرا قيمة مضافة تجاوزت دوره التشغيلي، ليصبح ملتقى للقيادات والعاملين، حتى إن البعض داخل القطاع يصفه مازحًا بأنه أصبح “دوار العمدة”، حيث يلتقي الجميع وتُناقش الملفات وتُصنع كثير من الأفكار والقرارات في أجواء مختلفة عن ضجيج العاصمة.

نحو مركز إقليمي للطاقة

ومع تنامي أهمية منطقة شرق المتوسط كمحور عالمي للطاقة، أصبحت إمكانات ميناء الحمرا محل اهتمام متزايد من الشركات العالمية والوفود الأجنبية، التي تنظر إليه باعتباره أحد أهم الموانئ المؤهلة لخدمة حركة تداول الخام والمنتجات البترولية.

وفي ظل خطة التوسع التي تستهدف رفع الطاقة التخزينية إلى نحو 5.2 مليون برميل، وإضافة المزيد من البنية الأساسية الخاصة بتداول المنتجات البترولية، فإن الميناء يقترب بخطوات ثابتة من التحول إلى مركز إقليمي وعالمي للطاقة، يدعم مكانة مصر على خريطة تجارة البترول في شرق المتوسط.

تحية مستحقة

وفي النهاية، فإن النجاح لا تصنعه المباني ولا المعدات وحدها، وإنما يصنعه الإنسان. ومن هنا، تستحق جميع فرق العمل في شركة ويبكو، سواء داخل ميناء الحمرا أو في مواقع الإنتاج بحقل بدر 1 وغيرها، كل التقدير على ما يبذلونه من جهد وإخلاص.

كما يستحق المهندس إبراهيم مسعود الإشادة على ما تحقق خلال السنوات الماضية من تطوير حقيقي، أثبت أن الإدارة الواعية، عندما تقترن بالإرادة والعمل، تستطيع أن تحول أي منشأة إلى نموذج يحتذى به.

لقد أصبح ميناء الحمرا اليوم أكثر من مجرد ميناء بترولي؛ إنه شاهد على تاريخ طويل من العمل الوطني، ونموذج حي لقدرة المصريين على التطوير، ورمز للإرادة التي لا تتوقف، ورؤية تؤكد أن الاستثمار في البنية الأساسية هو استثمار في مستقبل الوطن وأمنه الطاقوي.

#المستقبل_البترولي #حكاوي_علام




تم نسخ الرابط