الأربعاء 22 يوليو 2026 الموافق 08 صفر 1448

وائل عطية يكتب: الباشمهندس زيكو... العرض مستمر

401
المستقبل اليوم



أسند المهندس عادل مدير إحدى شركات البترول رأسه إلى مقعده في مكتبه المطل على أحد شوارع المعادي بعد انتهاء اجتماع مع الشركة المسؤولة عن أجهزة الحفر التي تستأجرها شركته.

لا يعرف لماذا قفزت إلى ذهنه فجأة صورة الحاج عبد الحكيم رئيس جهاز الحفر الذي بدأ حياته المهنية تحت إدارته بعد تخرجه في كلية هندسة البترول بجامعة السويس وبعد سنوات طويلة من الاجتهاد ثم أداء الخدمة العسكرية ليصطدم بواقع مختلف تمامًا عما كان يحلم به.

كان من أوائل الثانوية العامة واجتهد حتى حصل على شهادة هندسة البترول معتقدًا أن الطريق أصبح ممهدًا أمامه. لكنه فوجئ بأنه لا يستطيع حتى تسليم سيرته الذاتية إلى معظم الشركات إلا إذا كان يعرف أحد العاملين بها. وبعد محاولات عديدة كان الحل الوحيد أن يلتحق بإحدى شركات الخدمات... عاملاً على جهاز حفر.

كان أول تكليف تلقاه من الحاج عبد الحكيم هو جمع اللوحات الإرشادية المنتشرة على الجهاز وتنظيفها وإعادة طلائها وكتابة التعليمات عليها من جديد.
وعندما سأله متعجبًا: (ولكنني لست خطاطًا) جاءه رد الحاج بلكنته المميزة والذي لم ينسه طوال حياته: أومال مهندس إزاي؟

ثم جاءت المواقف الأصعب... ناداه مساعد الحفار ليحمل المطرقة ويشارك في تغيير (بستون طلمبة) الطفلة. وقتها شعر بأن سنوات الدراسة الطويلة وما بذله من جهد في دراسة هندسة الخزانات والحفر والإنتاج والجيولوجيا لا علاقة لها بما يقوم به.

بينما كان الجميع يحسدونه قبل التخرج على المستقبل الذي ينتظره كمهندس بترول يسافر بالهليكوبتر ويعمل في أكبر شركات البترول وجد نفسه يبدأ حياته المهنية في واقع مختلف تمامًا.

لكن السؤال الأهم اليوم ليس: ماذا حدث للمهندس عادل؟
السؤال هو: ماذا فعل المهندس عادل وغيره ممن مروا بالتجربة نفسها حتى لا تتكرر مع الأجيال الجديدة؟
اليوم لم تعد أقسام هندسة البترول ثلاث أقسام فقط كما كانت في الماضي.
أصبحت هناك برامج وكليات جديدة في الجامعات الحكومية السويس والقاهرة والأزهر والخاصة الأمريكية والبريطانية والألمانية والمستقبل فضلًا عن الطلاب الذين يدرسون التخصص في الخارج خاصة في روسيا وأوكرانيا وغيرها.
وفي المقابل تتزايد أعداد الخريجين عامًا بعد عام بينما لا توجد قاعدة بيانات موحدة ولا رؤية واضحة لاحتياجات سوق العمل ولا آلية منظمة للاستفادة من هذه الثروة البشرية.
وهنا لا نتحدث عن أزمة توظيف فقط، بل عن إهدار لعقول أنفقت الدولة والأسر سنوات طويلة في إعدادها.
الحل لا يحتاج إلى معجزة، بل يحتاج إلى إرادة وتنسيق.
لماذا لا يُعقد مؤتمر وطني تشارك فيه أقسام هندسة البترول بالجامعات المصرية بالتعاون مع شعبة هندسة البترول بنقابة المهندسين وبرعاية وزارة البترول والثروة المعدنية والهيئة المصرية العامة للبترول وإيجاس وجنوب الوادي وبمشاركة جميع شركات القطاع العام والمشترك والاستثماري والأجنبي وشركات الخدمات؟
يكون الهدف منه وضع ميثاق وخريطة طريق لإدارة ملف خريجي هندسة البترول في مصر.
ومن بين الأفكار التي يمكن تنفيذها:
- إنشاء قاعدة بيانات قومية محدثة سنويًا لخريجي هندسة البترول يكون مصدرها الأوحد نقابة المهندسين.
- إطلاق منصة إلكترونية للتوظيف تربط الشركات بالخريجين.
- إصدار مؤشر سنوي لاحتياجات سوق العمل ومعدلات البطالة في التخصص.
إعداد برامج تدريب وتأهيل مرتبطة باحتياجات الصناعة.
- فتح مسارات منظمة لتصدير الكفاءات المصرية إلى الأسواق الخارجية بما يحفظ كرامتهم وحقوقهم.
قد تكون هناك أفكار أفضل من ذلك لكن الأهم هو أن يبدأ الحوار.

والحقيقة أن الرؤية موجودة بالفعل ففي كلمته خلال افتتاح مؤتمر PACE 2026 الذي نظمته جمعية مهندسي البترول العالمية بالتعاون مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة أكد المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية أن قطاع البترول والغاز سيظل أحد الركائز الأساسية لمزيج الطاقة العالمي لعقود مقبلة موجّهًا رسالة طمأنة إلى طلاب هندسة البترول بأنهم اختاروا مجالًا واعدًا يتمتع بفرص مستقبلية قوية. كما شدد على أن العنصر البشري هو أساس النجاح وأن مستقبل القطاع يرتكز على التكنولوجيا والابتكار والشراكات الدولية وربط الدراسة الأكاديمية بالتطبيق العملي وتحسين بيئة الاستثمار واستعادة ثقة الشركاء والتوسع في الاستكشاف والإنتاج واستخدام أحدث التقنيات. وهي رؤية متكاملة تعكس إدراكًا واضحًا لتحديات القطاع ومستقبله.

لكن الرؤية وحدها لا تكفي... فالنجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه الرؤية إلى برامج تنفيذية يشعر بها الطالب قبل التخرج والخريج بعد التخرج والشركات عند التعيين.
إن الحفاظ على عقول مهندسي البترول ليس مسؤولية الجامعات وحدها ولا الشركات وحدها ولا الوزارة وحدها، بل هو مسؤولية منظومة كاملة.
فكل مهندس يضطر إلى ترك تخصصه أو يعمل في مجال لا يمت لما درسه بصلة يمثل خسارة حقيقية للوطن.
أما إذا أحسنّا استثمار هذه الكفاءات فسنكون قد استثمرنا في أهم مورد تمتلكه مصر … العقل المصري.




تم نسخ الرابط