الإثنين 10 أغسطس 2026 الموافق 27 صفر 1448

الشهيد..ما بين ذهب الجبل وذهب الهضبة مشوار طويل

131
المستقبل اليوم

لا تعرف على وجه التحديد لماذا ارتبط العمل بالمناجم بالدراما الإنسانية شديدة الوطأة على النفس والقلب، ثارت في نفوسنا غصة وألم على استشهاد أحد أبنائنا أثناء عمله في منجم السكري للذهب، هي حياة المناجم الممتلئة بالمخاطر والأمراض المهنية وتجبر البشر بعضهم على بعض.

العمل في المناجم له تاريخ طويل في التاريخ الإنساني منذ عصور ما قبل النهضة، حيث كان عصر العبيد، ثم الثورة الصناعية وما صاحبها من نهم رأس المال والتوسع في نشاط المناجم، حيث استخراج الفحم والنحاس والذهب والجير وعناصر أخرى.

رأينا كيف كان العمال يشحتون كالدواب في المصاعد الكبيرة مثل الدواب في بلجيكا، ورأينا المغاربة يساقون إلى مناجم الفحم في فرنسا، وقرأنا عن ظروف العمال المهينة في مناجم النحاس في تشيلي وثوراتهم ضد الظلم والإهانة وما كان يصيبهم من أمراض بشعة.

هكذا كانت حياة المناجم والعاملين فيها، لهم حياتهم التي ربما تغيرت كثيراً بفعل التكنولوجيا والتقدم، ولكنها ما زالت خطيرة وعميقة التأثير في التاريخ الإنساني وحاضرنا المعاصر.

لهم مفاهيمهم الخاصة نتيجة بقائهم لفترات طويلة في باطن الأرض، ولهم أيضاً هيكل وظيفي لا يعرفه الكثيرون، فهناك الحجار والخشاب ودافع العربة ومستقبلها والعديد من الوظائف الأخرى، كلها وظائف تمارس تحت الأرض بكل ما فيها من رهبة وخوف وظلام.

يبحثون عن المجهول ويقضمون الحجارة من جوف الأرض علها تجود ببعض جزيئات من الذهب أو النحاس، حياة غريبة وصعبة، حتى في كليات الهندسة لن تجد فيها من يلتحق بقسم المناجم إلا القليل، وربما كان ذلك رغماً عنه.

وعندما تتابع هذه القصص الإنسانية المرتبطة بحياة المناجم، وما أكثرها، تتعجب من ذهب الهضبة وقلادته التي تزن بضع مئات من الجرامات، وهو يزهو بها وبغيرها، وهو لا يعرف أن ذهبها وراءه عرق وجهد، وربما أرواح زهقت لاستخراج هذه الجرامات.

هذه هي الدنيا، تجري أيامها بين آلاف من المطحونين الذين يغوصون في عرقهم، وتتلوث ملابسهم بهباب وتراب يصيبهم بالأمراض، وهم يسعون في الأرض طلباً للرزق الحلال، وبين من يستمتع بإنتاجهم في الحفلات وتحت الأضواء وأنفاس العطور والأناقة.

لم يتغير شكل الدنيا ومآسيها منذ الثورة الصناعية إلى وقتنا الحاضر، حتى وإن تغير شكل الحياة وأساليبها وما حظيت به من تكنولوجيا وتقدم وقوانين تحافظ على حياة العمال.

مات أحد عمالنا تحت صخرة شاردة لا ترحم ولا تفهم، وهذا هو حال الأرض وأنت تقتحم سكونها وعزلتها، لن تعطيك قبل أن تأخذ، و رحم الله شهيد المناجم والذهب، ونتمنى أن نقف بجانب أسرته، فهم يستحقون المساندة والمساعدة.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط