الأربعاء 12 أغسطس 2026 الموافق 29 صفر 1448

هانم العقيص تكتب: الضغوط النفسية في بيئة العمل وأثرها على تحقيق رؤية مصر 2030

289
المستقبل اليوم

لم تعد الضغوط النفسية في بيئة العمل مجرد حالة عابرة من الإرهاق تنتهي بانتهاء ساعات الدوام، بل أصبحت واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الحديثة، لما لها من تأثير مباشر على الإنسان أولًا، وعلى قدرته على العمل والإنتاج والإبداع ثانيًا، وبالتالي على استقرار المؤسسة وقدرتها على تحقيق أهدافها.

فالموظف الذي يعمل تحت ضغط نفسي مستمر، ويشعر بأن الأعباء الملقاة على عاتقه تتجاوز قدراته أو الوقت المتاح له، لن يستطيع الحفاظ طويلًا على المستوى نفسه من التركيز والكفاءة. ومع استمرار هذه الحالة، يتحول الضغط اليومي تدريجيًا إلى إنهاك نفسي وجسدي، وقد يصل في النهاية إلى ما يعرف بـ«الاحتراق الوظيفي».

ومن هنا، فإن الحديث عن الصحة النفسية للعاملين لا ينبغي النظر إليه باعتباره نوعًا من الرفاهية الإدارية، وإنما باعتباره جزءًا أساسيًا من منظومة الإنتاج، وعنصرًا مؤثرًا في قدرة المؤسسات على النجاح والاستمرار وتحقيق أهدافها.

وتبدأ الضغوط المهنية في كثير من الأحيان من تزايد الأعباء الموكلة إلى الموظف، خاصة عندما يتم تكليفه بمسؤوليات ومهام تفوق قدرته الاستيعابية أو تتجاوز الوقت المتاح لإنجازها، فيجد نفسه في سباق دائم مع الوقت، وتحت ضغط متواصل لتحقيق المطلوب.

وقد تزداد المشكلة مع غموض الأدوار والمسؤوليات وغياب التوصيف الوظيفي الواضح. فحين لا يعرف الموظف بدقة حدود مسؤولياته، أو تتداخل مهامه مع مهام الآخرين، تضيع الأولويات ويصبح العمل نفسه مصدرًا للقلق والتوتر بدلًا من أن يكون مساحة للإنجاز وتحقيق الذات.

كذلك يمثل ضعف الدعم المؤسسي أحد الأسباب المهمة للضغط النفسي، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الشعور بأنه جزء من فريق، وأن هناك من يسانده ويوجهه عندما يواجه مشكلة. أما عندما يشعر الموظف بأنه يواجه التحديات بمفرده، ولا يجد دعمًا من الإدارة أو زملائه، فإن الإحساس بالعزلة المهنية يصبح عبئًا إضافيًا عليه.

ولا يقل عن ذلك خطورة غياب التقدير والتواصل. فالموظف يحتاج إلى الشعور بأن جهده مرئي، وأن ما يقدمه للمؤسسة محل تقدير، كما يحتاج إلى وجود قنوات آمنة يستطيع من خلالها التعبير عن المشكلات والمعوقات التي تواجهه دون خوف أو قلق.

إذا استمرت الضغوط النفسية دون تدخل حقيقي لمعالجتها، فإن آثارها لا تتوقف عند حدود الموظف، وإنما تنتقل مباشرة إلى المؤسسة.

فالاحتراق الوظيفي يعني وصول العامل إلى مرحلة متقدمة من الإنهاك الجسدي والنفسي والعاطفي، ومعه تتراجع الدافعية ويختفي الشغف بالعمل.

ثم يبدأ مستوى التركيز في الانخفاض، وتزداد احتمالات وقوع الأخطاء، وتتراجع جودة الأداء والإنتاجية. وفي بيئة يسيطر عليها القلق والتوتر يصبح الابتكار أكثر صعوبة، لأن الإبداع يحتاج إلى قدر من الأمان والاستقرار النفسي يسمح للإنسان بالتفكير والتجربة وتقديم أفكار جديدة.

كما قد تمتد آثار الضغوط المستمرة إلى الصحة النفسية والجسدية للعامل، فتظهر أعراض القلق واضطرابات النوم والتوتر المستمر، وقد يصل الأمر لدى البعض إلى أعراض اكتئابية أو مشكلات جسدية مرتبطة بالإجهاد، وهو ما ينعكس في النهاية على قدرة المؤسسة نفسها على تحقيق أهدافها ورفع معدلات الإنتاجية.

وهنا يظهر الدور الحقيقي للقائد والمدير.فالقيادة ليست مجرد إصدار التعليمات ومتابعة النتائج، وإنما هي في الأساس القدرة على إدارة البشر والطاقات والإمكانات بصورة تحقق أهداف المؤسسة وتحافظ في الوقت نفسه على العنصر الإنساني.

ومن أهم مسؤوليات القيادة في هذا الإطار التوزيع العادل للمهام وفقًا لقدرات كل فرد وإمكاناته، بحيث لا تتحمل فئة معينة من العاملين أعباء تفوق طاقتها، بينما تظل طاقات أخرى غير مستغلة.

كما أن تفويض الصلاحيات والثقة في العاملين، إلى جانب توفير الدعم والمرونة ووضع جداول زمنية واقعية للإنجاز، كلها أمور تقلل من الضغوط النفسية والجسدية وتساعد الفريق على تقديم أفضل ما لديه.

ويأتي بعد ذلك وضوح الرؤية والأدوار. فكل موظف يجب أن يعرف ماذا تريد منه المؤسسة، وما حدود مسؤولياته، وما الأهداف المطلوب تحقيقها، وكيف سيتم تقييم نجاحه. وكلما كانت هذه الأمور واضحة، تراجع القلق الناتج عن الغموض وتداخل الاختصاصات.

كذلك فإن الشفافية المستمرة وإطلاع فريق العمل على المستجدات والتحديات والأهداف العامة للمؤسسة يمنح الموظفين شعورًا بأنهم شركاء في النجاح، وليسوا مجرد منفذين للتعليمات، وهو ما يزيد الدافعية والانتماء.

ومن الأخطاء التي قد تقع فيها بعض الإدارات الاعتقاد بأن الموظف لا يحتاج إلا إلى المقابل المادي، بينما الحقيقة أن التقدير المعنوي عنصر شديد الأهمية في الصحة النفسية داخل بيئة العمل.

فالاعتراف بالجهد والإشادة بالإنجاز، مهما كان بسيطًا، يمكن أن يصنع فارقًا كبيرًا في معنويات الموظف وشعوره بقيمته داخل المؤسسة. ولهذا ينبغي بناء ثقافة تجمع بين التقدير المعنوي والمادي، وتؤكد لكل عنصر أن جهده جزء من نجاح المنظومة.

كما ينبغي تفعيل التواصل والإنصات الحقيقي، من خلال سياسة الباب المفتوح وتشجيع العاملين على الحديث عن المعوقات التي تواجههم، مع تحويل التغذية الراجعة إلى أداة للتطوير والنمو وتحسين الإنتاجية، بدلًا من ترسيخ ثقافة اللوم والعقاب.

ومن أهم عناصر بيئة العمل الصحية حماية التوازن بين الحياة المهنية والحياة الشخصية.

فاحترام وقت الموظف بعد انتهاء ساعات العمل، وتجنب تكليفه أو التواصل معه بشأن المهام خلال الإجازات إلا في حالات الضرورة والطوارئ، يمنحه فرصة حقيقية لاستعادة طاقته النفسية والجسدية.

كما أن تشجيع العاملين على الحصول على استراحات مناسبة أثناء يوم العمل لا يعني إهدار وقت المؤسسة، بل قد يكون وسيلة فعالة لاستعادة التركيز والقدرة على مواصلة العمل بكفاءة.

إن تعزيز دور القيادة الحكيمة في الحد من الضغوط النفسية داخل المؤسسات أصبح ضرورة تتطلب التوزيع العادل للمهام، وتوضيح الأدوار والمسؤوليات، وتفعيل قنوات التواصل والإنصات، وتقديم الدعم النفسي والمهني، إلى جانب بناء ثقافة مؤسسية تقوم على التقدير والتحفيز والشفافية.

كما أن تهيئة بيئة عمل متوازنة تراعي الاحتياجات الإنسانية للعاملين ليست منفصلة عن أهداف التنمية، بل ترتبط بصورة مباشرة بالقدرة على رفع الإنتاجية وتحسين جودة الأداء وتشجيع الابتكار واستدامة النجاح.

وفي النهاية، فإن التخفيف من ضغوط العمل ليس رفاهية، وإنما استثمار مباشر في أهم أصول أي مؤسسة: الإنسان.

فالإنسان المستقر نفسيًا، الذي يعرف مسؤولياته ويحصل على التقدير والدعم ويشعر بالعدالة داخل مكان عمله، هو الأكثر قدرة على الإبداع والعطاء وتحمل المسؤولية وتحقيق النتائج.

ومن خلال قيادة حكيمة تدرك قيمة العنصر البشري، وتوزيع عادل للأعباء، وتواصل فعال، ودعم نفسي ومهني حقيقي، يمكن تحويل بيئة العمل من مصدر للضغط والاستنزاف إلى مساحة للإنجاز والابتكار والإنتاج.

وهذا هو الطريق الذي يتوافق مع أهداف رؤية مصر 2030 ومبادئ التنمية المستدامة؛ لأن بناء اقتصاد وطني قوي لا يبدأ فقط من المشروعات والاستثمارات والأرقام، وإنما يبدأ قبل كل شيء من إنسان قادر على العمل والعطاء في بيئة تحفظ له توازنه النفسي وتمنحه الفرصة ليقدم أفضل ما لديه.

كات المقال بقلم: الدكتورة هانم العقيص
دكتورة فى الصحة النفسية




تم نسخ الرابط