الأربعاء 26 أغسطس 2026 الموافق 13 ربيع الأول 1448

مجرد رأي: المعجزة الكبرى

101
المستقبل اليوم

لا تزال أنوار السيرة المحمدية هي المعجزة الباقية على مر الزمان وحتى تقوم الساعة، لم يَدُر بمخيلة بشر ولا جان أن ولادة طفل صغير يتيم الأب في هذه البقعة القاحلة من العالم، وتحت أشعة الشمس الحارقة التي لا ترحم، سوف تغير وجه هذه الدنيا، وتجعل مليارات البشر على دينه ومذهبه من بعده.

أي معجزة أتى بها هذا الصبي ليجعل هذه الأمم تؤمن به وبرسالته حتى يومنا هذا وإلى يوم البعث الأخير؟ بعد أكثر من ١٤٠٠ عام على مولده، لا يزال توافد ملايين البشر، الأحمر منهم والأبيض والأسود والأصفر، على مدينته في وسط صحراء الجزيرة العربية، وقد تحول مسجده إلى واحة منيرة من بنيان هائل من الحضارة والجمال والتطور، بعد أن كان قائمًا على جذوع وسعف النخيل.

أي معجزة امتلكها هذا الصبي حتى يجعل من سيرته أقوى أبيات الشعر والمدح على مر آلاف السنين؟ لن تجد أجمل من كلمات صاغها الشعراء والأدباء والحكماء إلا فيما اختص بهذا الصبي ودعوته، لم يكن يملك مالًا ولا قوة ولا جيشًا، ولكنه امتلك شمائل وخصائص أتم بها مكارم الأخلاق الإنسانية.

لم يذهب إلى قومه بمعجزات مادية، ولم يفتح عليهم أبواب السماء لتمطر ذهبًا وفضة، ولكنه كان يعمل معهم، بل وباع سيفه ودرعه ليستطيع الوفاء بمتطلبات أهله ومنزله، لم تدخل الكراهية والحفد والغل إلى غرف قلبه، فقد كانت موصدة محصنة ضد هذه الصفات والأخلاقيات.

أعطى لقوة الإيمان وعمق الصداقة حقهما، وأفاق من غفوته وهو يحتضر عندما سمع عمر يؤم المصلين في مرضه، وانتفض قائلًا: هذا لا يرضي الله ورسوله، فقد كان الصديق أحق وأولى، فهو أول المؤمنين وأقرب الأصدقاء وأكثرهم وفاءً.

لم يعد أحدًا من أصحابه وأتباعه بمنصب أو جاه، ولكنه بشرهم بميعاد الجنة معه، فكان ذلك أعظم درجات اليقين في أبهى صورة، ترك كتابًا لم يستطع أحد أن يغير حرفًا فيه، وإلا اختل المعنى وتناثرت كلماته، لأن كل حرف فيه مربوط بأخراه بسلاسل إلهية لا فكاك منها إلى يوم الدين.

أسس العقيدة الصحيحة للتكافل بين المسلمين، ليذيب الفوارق ويئد الضغائن بين طبقات المجتمع، فرض الصيام وأحل الفرحة بعد طول عناء، فقد كان يعرف أننا بشر ضعفاء، لم يطلب أو يدعُ إلا لمكارم الأخلاق، ولم يجدوا عليه شيئًا يدخلون منه إلى صلب عقيدته وإيمانه، فعاشت وازدهرت رغم التشكيك والترهيب والازدراء من كل موتور كاره لهذا الدين.

حفظ الناس كلماته وأحاديثه بعد مماته، وأصبحت دستورًا وشريعة على مر السنوات، بعد كل هذا وأكثر، هل ما زلت تعتقد أنك بحاجة إلى مزيد من معجزات هذا النبي الذي جاء بدعوة خاتمة لعموم البشر؟

دعوته بسيطة، ولكن حاكمة معجزة لكل من عاداها، عنوانها: إلهكم إله واحد وإياه فاعبدون، وكفى. لم يطلب أكثر من ذلك، وكل ما عداه وزاد عليه كانت أخلاقيات التعامل بين الناس بعضهم ببعض، حتى تستطيع دورة الحياة أن تكتمل على النحو الذي أراده الله لمخلوقاته، حتى يأذن بزوالها.

لم يجبر أحدًا على اتباع دينه وملته، وتركهم وقد خلف وراءه إرثًا ضخمًا من القواعد والسنن التي أتى بها، لتكون معينًا لا ينفد لكل من يفكر ويرغب في أن يعيش هانئًا مطمئنًا.

انظر كم الجرائم وفساد الأخلاق الذي نعيشه حاليًا، لترى أن سببها الأول أننا نسينا أو تناسينا ما تركه لنا هذا الرسول الكريم من أخلاقيات وقواعد، واتجهنا إلى كل رذيلة وتقليد أعمى لحضارات أوهمتنا بالتقدم والرقي، فكنا من الخاسرين.

لن ينصلح الحال إلا بإعادة قراءة سيرته، وأن نتمثل بأخلاقه حقًا وصدقًا، لا منظرةً ورياءً، وسترون كم المعجزات التي ستصيب حياتنا وتغيرها من جذورها، وهذه هي المعجزة الكبرى.

ذكرى ميلاده ليست بشراء الحلوى والأغاني وإطلاق الأشعار، ولكنها فرصة للعودة إلى النفس السوية، وقراءة تاريخه والعمل بسننه.

بهذا فقط يكون للاحتفال معنى، وإدراك لقيمة هذا الحدث الذي لن يتكرر ما شرقت الشمس أو غربت على هذه الأرض.وكل عام وأنتم جميعًا بخير.والسلام،،

#سقراط




تم نسخ الرابط