د جمال القليوبي يكتب: صفقة النفط الفنزويلي لتأمين المخزون الأمريكي !
تعد السياسةً التي ينفذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كل مخططاته علي المستوي الاقتصادي والعسكري ما هي إلا اجندة الصفقات ويعبر دوما عما ينفذه ويخطط له خلال نافذته الاعلاميه ، وتظهر صفقه النفط الاخيره في فينزويلا والتي صرح عنها عبر منصته «تروث سوشيال» ليس مجرد خبر اقتصادي عابر، بل بدا كإعلان عن تحول كبير في خريطة توضح السيطرة على موارد الطاقة في العالم . فقد كشف ترامب عن اتفاق وصفه بأنه «أكبر صفقة نفطية في تاريخ العالم»، حيث تمنح الصفقه الولايات المتحدة السيطرة على أكثر من 66 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في فنزويلا، من خلال شراكة تجمع الحكومة الأمريكية والقطاع الخاص مع السلطة الفنزويلية المؤقتة.
وتمثل صفقه فينزويلا ربع الاحتياطي ، ففنزويلا تمتلك نحو 303 مليارات برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، وهي الأكبر عالميًا، بينما تمثل الـ65 مليار برميل احتياطيات 17 حقلًا استراتيجيًا مشمولة بالصفقة الجديدة. ووفق التفاصيل المعلنة، تحصل الولايات المتحدة على حصة فعالة تبلغ نحو 55% من إنتاج الشركة المزمع إنشاؤها، إلى جانب حق شراء النفط بسعر التكلفة، مع منح حقوق تطوير قد تمتد إلى مائة عام. كما يُتوقع أن تجذب المشروعات قرابة 100 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة.
والمفاجأة هنا لا تكمن في ضخامة الرقم فقط، وإنما في انتقال جزء بالغ الأهمية من الثروة النفطية الفنزويلية إلى دائرة النفوذ الأمريكي طويل الأجل. فالصفقة لا تعني شراء شحنات محدودة، بل تأسيس قدرة أمريكية على التحكم في التطوير والإنتاج والتسعير والتوجيه النهائي للخام. اي انها بهذا المعنى، صفقة جيوسياسية مغلفة بعقد استثماري.
ومن الصعب فصل هذا التطور عن العملية العسكرية الأمريكية التي انتهت في الثالث من يناير 2026 بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات مختلفه وغريبه في واقعة وصفها أنصار مادورو بأنها «اختطاف». وبعد إبعاده تولت ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس ووزيرة النفط السابقة، الرئاسة بصورة مؤقتة، وحظيت بدعم واشنطن رغم أن الإدارة الأمريكية كانت قد اعترفت سابقًا بمعارضين آخرين ممثلين للشرعية الانتخابية.
لا توجد حتى الآن وثيقة تثبت أن النفط كان السبب الوحيد وراء إطاحة مادورو؛ فواشنطن قدمت العملية باعتبارها تنفيذًا لاتهامات جنائية وأمنية. لكن تسلسل الأحداث يفتح الباب أمام قراءة مختلفة: إبعاد الرئيس، ثم دعم سلطة أكثر تعاونًا، ثم تعديل القواعد التي كانت تحمي سيطرة الدولة على قطاع النفط، وأخيرًا منح الولايات المتحدة حصة الأغلبية في إنتاج مجموعة من أكبر الحقول. وهكذا بدأ المغزى الحقيقي يظهر رويدًا رويدًا، وأصبح النفط في قلب المشهد، مهما تعددت العناوين السياسية والقانونية المحيطة به.
وتزداد أهمية الصفقة عند النظر إلى وضع الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي. فقد انخفض المخزون إلى أقل من 300 مليون برميل في أغسطس 2026، بعد سحب أكثر من مائة مليون برميل منذ بداية العام لمواجهة اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار المرتبطين بالحرب مع إيران. وتنص الترتيبات الجديدة على توجيه جزء من النفط الذي تشتريه الولايات المتحدة بسعر التكلفة إلى المخزون الاستراتيجي والاستخدامات العسكرية.
وبالطبع، لا تستطيع الولايات المتحدة تخزين 65 مليار برميل داخل مستودعاتها الاستراتيجية، التي لا تتجاوز سعتها مئات الملايين من البراميل. لذلك فالمقصود أوسع من مجرد ملء الخزانات؛ إنه إنشاء «احتياطي استراتيجي ممتد» تحت الأرض الفنزويلية، تضمن واشنطن حق الوصول إليه لعقود، وتستطيع استخدامه عند الأزمات. كما يتميز الخام الفنزويلي بقربه الجغرافي من السواحل الأمريكية وملاءمته الفنية لمصافي خليج المكسيك المصممة لمعالجة الخامات الثقيلة، ما يجعله بديلًا عمليًا لبعض الإمدادات البعيدة القادمة من الخليج العربي.
وهنا تتقاطع صفقة فنزويلا مع ما يحدث في مضيق هرمز. فقد أدت الحرب الأمريكية–الإيرانية واضطراب الملاحة إلى تراجع تدفقات النفط واستنزاف المخزونات العالمية، وتتوقع إدارة معلومات الطاقة استمرار تأثير الأزمة حتى عودة الإنتاج والتجارة تدريجيًا إلى مستويات أقرب إلى ما قبل الحرب خلال عام 2027.
ويمكن ان يكون الوقت للاعلان عن الصفقةً غريبا ولكن يبدو ان صفقة فنزويلا تثبت ان واشنطن تتوقع إطالة الحرب ، وتؤكد أنها تستعد لاحتمال استمرارها، وتبني بدائل تقلل اعتمادها على نفط الخليج، بينما تبقى الاقتصادات العربية المنتجة معرضة للحصار داخل منطقة الخليج. وفي الوقت نفسه تعلن الإدارة الأمريكية أن البحرية الأمريكية أصبحت صاحبة السيطرة الفعلية على ممرات هرمز، وأن مرور الناقلات يجري تحت حمايتها، مع استمرار منع الصادرات الإيرانية.
وعلي الناحيه الاخري فقد تعد الأخطر للدول العربية حيث انها قد تتحول الحماية البحرية من إجراء طارئ إلى أداة نفوذ دائم، فيصبح مرور ناقلات النفط مرهونًا بالمظلة العسكرية الأمريكية، بينما تتحمل الدول المنتجة خسائر توقف الإنتاج، وامتلاء الخزانات، وتعطل الإيرادات، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
لذلك لم يعد كافيًا انتظار إعادة فتح المضيق بصورة كاملة. المطلوب استراتيجية عربية عاجلة لتوسيع خطوط الأنابيب المتجاوزة لهرمز، وزيادة التخزين خارج الخليج، وربط الإنتاج بموانئ البحر الأحمر والبحر المتوسط، وتطوير أساطيل وتأمينات وطنية، وبناء موقف تفاوضي جماعي يحول دون احتكار قوة واحدة لمفاتيح عبور الطاقة.
إن صفقة فنزويلا ليست مجرد بحث أمريكي عن براميل جديدة؛ إنها درس في كيفية تحويل القوة السياسية والعسكرية إلى أمن طاقة طويل الأجل. وبينما تؤمّن واشنطن بدائلها البعيدة، يجب على الدول العربية أن تدرك أن امتلاك النفط لا يكفي إذا ظل طريق خروجه محصورًا في مضيق يمكن إغلاقه أو إخضاعه لإرادة أسط ولذا فان البدايل لخطوط النفط البريه بعيدا عن هرمز اصبحت امراً ملحا يسابق الزمن …والي تكمله قادمة