يطمح لإنتاج 10 ملايين برميل يومياً: هل ينسحب العراق من أوبك؟
تتجه الحكومة العراقية إلى إعادة رسم موقع بغداد على خريطة النفط العالمية، بعدما أعلنت خطة طموحة لرفع إنتاج البلاد من الخام إلى ما يتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يومياً خلال السنوات الست المقبلة، وهو مستوى يقترب من ضعف إنتاجها المعتاد، ويضعها في مرتبة متقدمة بين أكبر المنتجين عالمياً.
لكن هذه الخطة تفتح في الوقت نفسه مواجهة محتملة مع نظام الحصص داخل منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، إذ لا تستطيع بغداد ضخ هذه الكميات في الأسواق من دون الحصول على زيادة كبيرة في حصتها الإنتاجية، أو اتخاذ قرار سياسي بالخروج من قيود المنظمة.
وقال رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، خلال مؤتمر «حوار بغداد» في 21 أغسطس 2026، إن بلاده تستهدف زيادة إنتاج النفط إلى ما بين 8 و10 ملايين برميل يومياً خلال ست سنوات، مؤكداً إرسال وفد برئاسة وزيري النفط والمالية إلى السعودية؛ للتفاوض بشأن رفع حصة العراق داخل «أوبك».
وتكشف هذه الخطوة أن بغداد لا تزال تتحرك، حتى الآن، من داخل المنظمة، وتسعى إلى إقناع السعودية وبقية المنتجين بإعادة النظر في حصتها، بما يتناسب مع احتياطياتها النفطية وحجم استثماراتها وخططها لزيادة الطاقة الإنتاجية.
وتحتاج خطة الوصول إلى 10 ملايين برميل يومياً إلى توسعات ضخمة في الحقول الجنوبية، وفي مقدمتها الرميلة وغرب القرنة ومجنون والزبير، إلى جانب تطوير حقول كركوك وإقليم كردستان، وزيادة قدرات التخزين والتصدير، وتوسعة الموانئ وخطوط الأنابيب.
كما أن تحقيق هذا الهدف لا يتوقف على قدرة العراق على استخراج النفط فقط، وإنما على قدرته على تسويقه وتصديره، خاصة أن البنية التحتية الحالية لا تزال تمثل أحد أهم التحديات أمام مضاعفة الإنتاج بهذه السرعة.
الانسحاب من «أوبك».. تهديد أم قرار؟
بدأ الحديث عن احتمال انسحاب العراق من «أوبك» في يونيو 2026، عندما نقلت رويترز عن مصادر مطلعة أن بغداد قد تدرس «جميع الخيارات»، بما فيها إنهاء عضويتها، إذا لم تحصل على زيادة ملموسة في حصتها الإنتاجية.
وجاءت تلك التسريبات في ظل ضغوط مالية واقتصادية تواجهها الحكومة العراقية، واعتماد الموازنة العامة بصورة شبه كاملة على عائدات تصدير النفط، إلى جانب اعتراض بغداد على عدم تناسب حصتها مع احتياطياتها وطاقة حقولها وعدد سكانها.
إلا أن وزارة النفط العراقية سارعت إلى نفي وجود قرار حكومي بالانسحاب، وأكدت، في بيان رسمي بتاريخ 25 يونيو، أن ما أثير بشأن تلويح العراق بإنهاء عضويته «لا يعكس الموقف الرسمي للحكومة»، وأن رئيس الوزراء لم يطرح مسألة الخروج من المنظمة.
وحسم رئيس الوزراء العراقي الموقف بصورة أكثر وضوحاً في 9 يوليو 2026، عندما أكد أن بلاده لن تنسحب من «أوبك»، لكنها تطالب بحصة إنتاجية عادلة تعكس إمكاناتها النفطية.
وعليه، فإن الحديث عن انسحاب العراق لا يزال ورقة ضغط تفاوضية أو احتمالاً مشروطاً بتعثر المفاوضات، وليس قراراً رسمياً اتخذته بغداد، بينما يتمثل التحرك الفعلي حتى الآن في مطالبة «أوبك» برفع الحصة.
لماذا يريد العراق رفع إنتاجه؟
يمتلك العراق واحداً من أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، لكنه يرى أن الحروب والعقوبات وضعف الاستثمارات والبنية التحتية حرمته لسنوات من الاستفادة الكاملة من ثروته النفطية.
وتعتمد الدولة العراقية على النفط في تمويل أكثر من 90% من إيراداتها العامة، ما يجعل زيادة الإنتاج والتصدير مسألة تتجاوز الحسابات الفنية إلى الأمن المالي والاقتصادي للدولة.
كما تسعى بغداد إلى جذب استثمارات أجنبية جديدة لتطوير الحقول وزيادة الإنتاج، وهو ما يصعب تحقيقه إذا ظلت الشركات مقيدة بسقف إنتاج لا يسمح بتسويق الكميات الإضافية.
لكن الوصول من مستوى يقارب 4 ملايين برميل يومياً إلى 10 ملايين يحتاج إلى عشرات المليارات من الدولارات، وإلى توسعات متوازية في منشآت معالجة المياه والغاز المصاحب، وخزانات النفط والموانئ وخطوط النقل.
المعضلة داخل «أوبك»
العراق أحد الأعضاء الخمسة المؤسسين لـ«أوبك» عام 1960، كما يُعد من كبار المنتجين داخل المنظمة؛ ولذلك فإن انسحابه، إذا حدث، لن يكون خطوة عادية، بل سيشكل اختباراً صعباً لوحدة المنظمة ونظام الحصص.
وفي المقابل، فإن السماح للعراق بمضاعفة إنتاجه قد يدفع دولاً أخرى إلى المطالبة برفع حصصها، ما يهدد التوازن الذي تحاول «أوبك+» الحفاظ عليه بين العرض والطلب، ويزيد احتمالات حدوث تخمة في الأسواق وانخفاض الأسعار.
ويضع ذلك بغداد أمام معادلة معقدة: فهي تريد البقاء داخل منظمة قوية تحمي أسعار النفط، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في تجميد مليارات الدولارات من الاستثمارات أو ترك طاقتها الإنتاجية الجديدة دون استغلال.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو توصل العراق و«أوبك» إلى تسوية تدريجية، يحصل بموجبها على زيادات متتابعة في حصته، بالتوازي مع إثبات قدرته الفعلية والمستدامة على رفع الإنتاج.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار الخلاف وبقاء مشروع الوصول إلى 10 ملايين برميل ضمن إطار زيادة «الطاقة الإنتاجية»، من دون ضخ كل هذه الكميات فعلياً في السوق.
ويظل الانسحاب هو السيناريو الأصعب والأبعد في الوقت الراهن، لما قد يترتب عليه من خسارة العراق مظلة التعاون مع كبار المنتجين، فضلاً عن احتمال تراجع الأسعار إذا دخلت ملايين البراميل الإضافية إلى السوق دون تنسيق.
وبذلك، لا يمكن القول إن العراق قرر الانسحاب من «أوبك»، وإنما يمكن القول إنه يستخدم ثقله النفطي وخطته الطموحة للوصول إلى 10 ملايين برميل يومياً، من أجل انتزاع حصة أكبر داخل المنظمة. وستحدد نتائج المفاوضات مع السعودية وبقية الأعضاء ما إذا كانت بغداد ستنجح في تحقيق طموحها من داخل «أوبك»، أم تعود مستقبلاً إلى فتح ملف الانسحاب باعتباره الخيار الأخير.
تقرير #المستقبل_البترولي