الإثنين 23 فبراير 2026 الموافق 06 رمضان 1447

بعد انسحاب لوك أويل: العراق يوقّع اتفاقيتين مع شيفرون لتطوير غرب القرنة-٢ والناصرية وبلد

79
المستقبل اليوم

في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في خريطة الشراكات البترولية بالعراق، وقّعت الحكومة العراقية اتفاقيتين مبدئيتين مع شركة شيفرون الأميركية لإدارة وتطوير عدد من أبرز حقول البترول في البلاد، يتقدّمها حقل غرب القرنة-٢ العملاق في محافظة البصرة، والذي كانت تتولى تشغيله شركة لوك أويل الروسية خلال السنوات الماضية.

وجرت مراسم التوقيع في بغداد بحضور رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، في مؤشر واضح على الأهمية السياسية والاقتصادية للاتفاق، الذي يأتي في توقيت يتسم بحساسية جيوسياسية وبتغيرات في تموضع شركات الطاقة العالمية داخل السوق العراقية. ووفق بيان رسمي، فإن الاتفاقية الأولى تتعلق بنقل إدارة وتطوير حقل غرب القرنة-٢ إلى شيفرون، بعد انسحاب لوك أويل وإعلانها سابقاً ظروف قوة قاهرة مرتبطة بتداعيات العقوبات الغربية، وهو ما فتح الباب أمام إعادة ترتيب هيكل القائم بالعمليات في أحد أكبر الحقول المنتجة في العراق.

ويُعد غرب القرنة-٢ من الحقول العملاقة عالمياً، إذ يقدَّر إنتاجه بنحو 450 إلى 480 ألف برميل يومياً، ما يجعله مساهماً رئيسياً في إجمالي إنتاج العراق الذي يتجاوز أربعة ملايين برميل يومياً. ويكتسب الحقل أهمية مضاعفة لكونه أحد الركائز الأساسية لاستراتيجية العراق في الحفاظ على طاقته التصديرية ضمن منظومة أوبك+، فضلاً عن احتياطياته المؤكدة الكبيرة وإمكاناته المستقبلية في حال ضخ استثمارات إضافية في تقنيات تحسين الإنتاج ورفع كفاءة الخزانات.

أما الاتفاقية الثانية، فتتعلق بتطوير حقل الناصرية والمناطق الاستكشافية الأربع في محافظة ذي قار جنوب البلاد، إضافة إلى تطوير حقل بلد في محافظة صلاح الدين شمالاً. ويعكس هذا التوزيع الجغرافي رغبة بغداد في تحفيز النشاط الاستثماري في أكثر من محور إنتاجي، وعدم حصر التعاون في الحقول الجنوبية فقط. ويُنظر إلى حقل الناصرية على أنه من الحقول الواعدة التي يمكن أن تشهد زيادة ملموسة في الإنتاج في حال تنفيذ برامج تطوير متكاملة تشمل حفر آبار جديدة وتحديث البنية الأساسية السطحية ومنشآت المعالجة.

تحمل هذه الاتفاقيات دلالات تتجاوز الإطار الفني، إذ تشير إلى توجه عراقي متجدد نحو تنويع الشركاء الدوليين وإعادة جذب الشركات الأميركية الكبرى إلى مشاريع التطوير الأساسية، في وقت يسعى فيه العراق إلى تعظيم العائد الاقتصادي من كل برميل منتج، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وتقليل المشاكل الفنية التي تؤثر على استدامة الإنتاج. 
كما أن دخول شيفرون إلى هذه المشاريع قد يفتح المجال لإدخال تقنيات متقدمة في إدارة الخزانات، والمسح السيزمي ثلاثي الأبعاد، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات، بما يعظم معدلات الإنتاج ويرفع القيمة المضافة للاحتياطيات القائمة.

اقتصادياً، يُتوقع أن تمهّد الاتفاقيتان الطريق لاستثمارات بمليارات الدولارات خلال السنوات المقبلة، سواء في أعمال التطوير المباشر أو في سلاسل الإمداد والخدمات البترولية المساندة، وهو ما قد ينعكس على خلق فرص عمل محلية وتنشيط الشركات الوطنية المتعاقدة. كما أن إعادة هيكلة تشغيل حقل غرب القرنة-٢ على وجه الخصوص قد تؤثر في خطط العراق المستقبلية لزيادة الطاقة الإنتاجية القصوى، خاصة إذا ما تزامنت مع تحديث عقود الخدمة وتحسين شروط الاستثمار.

وبينما ما تزال الاتفاقيتان في إطار مبادئ أولية بانتظار استكمال التفاصيل التعاقدية والفنية، فإن الرسالة السياسية والاقتصادية باتت واضحة: العراق ماضٍ في إعادة رسم خارطة شراكاته البترولية، مع الحفاظ على موقعه كأحد أهم منتجي البترول في العالم، والسعي إلى تحقيق توازن بين اعتبارات السوق، والتكنولوجيا، والجغرافيا السياسية في إدارة ثروته البترولية.




تم نسخ الرابط