وائل عطية يكتب: ما بين تراجع الإنتاج والفرص: لماذا غابت مصر عن سباق حقل غرب القرنة العراقي؟
بينما تتحرك بغداد سريعاً لإعادة ترتيب أوراقها بعد انسحاب لوك أويل من حقل غرب القرنة-٢ وتمنح إدارة أحد أكبر حقولها إلى شيفرون، يفرض المشهد سؤالاً ملحّاً في القاهرة: لماذا لا يتحول فائض القدرات البشرية والفنية في قطاع البترول المصري إلى ذراع إقليمي منظم الى جانب إدارة التراجع الطبيعي في الإنتاج المحلي؟
الواقع الفني يقول إنه لا توجد زيادة ملموسة في الإنتاج المحلي من البترول أو الغاز خلال السنوات الأخيرة. ما يحدث هو تراجع طبيعي في إنتاج الحقول القائمة نتيجة تقادمها ونضوب الخزانات بينما تأتي الاكتشافات الجديدة لتعويض هذا التراجع جزئياً، دون تحقيق قفزة ملموسة في الطاقة الإنتاجية.
هذا النمط يعكس دورة طبيعية في صناعة البترول ما بين الاستكشاف والانتاج، لكنه يصبح إشكالياً حين لا يقترن باستراتيجية توسع خارجي أو تعظيم للقيمة المضافة من القدرات المتاحة. فالقطاع يمتلك خبرات تشغيلية وهندسية عالية المستوى غير أن توظيفها يظل محصوراً في نطاق جغرافي محدود.
يُنتج حقل غرب القرنة-٢ ما يقارب نصف مليون برميل يومياً (يكافئ انتاج مصر من الخام)، وهو أحد أعمدة الإنتاج العراقي. انتقال إدارته إلى شيفرون لم يكن مجرد إجراء تعاقدي، بل تحركاً استراتيجياً لاستقطاب شريك قادر على الإدارة الفنية والتشغيل.
السؤال ليس لماذا فازت شيفرون، بل لماذا لا تمتلك مصر كياناً مؤسسياً قادراً على التقدم منفرداً أو ضمن تحالف لإدارة أصول من هذا الحجم خاصة أن الكفاءات المصرية تعمل فعلياً في مثل هذه البيئات تحت مظلات شركات دولية.
في مشاريع تديرها هاليبرتون في السعودية مثل حقل جنوب الغوار وفى العراق مثل حقل مجنون، كما في الجزائر عبر ويزرفورد، يشكل المصريون نسبة كبيرة جدا من فرق العمل الفنية والإدارية وهي كوادر مصرية خرجت من شركات عملاقة مثل خالدة وجابكو وبتروبل.
إذا كانت هذه الخبرات قادرة على إدارة أصول عملاقة خارج الحدود، فلماذا لا تتحول من موارد بشرية إلى أداة توسع وطني منظم؟
الاستمرار في التركيز على زيادة الإنتاج المحلي رغم محدودية إمكانات النمو دون رؤية متكاملة للسوق يؤدي عملياً إلى إدارة انكماش لا إلى صناعة توسع.
لن نكفّ عن المطالبة بتفعيل الاستفادة من القيمة المضافة لإمكانيات قطاع البترول المصري البشرية والفنية من خلال إنشاء ذراع تشغيلية خارجية محترفة والدخول في عقود إدارة وتشغيل للحقول الإقليمية والمشاركة في تطوير أصول مكتشفة تحتاج إلى خبرة تنفيذية أكثر من احتياجها لرأسمال ضخم.
القيمة الحقيقية ليست فقط في البرميل المنتج داخل الحدود، بل في العائد المتحقق من إدارة البرميل خارجها.
لماذا لا نفكر خارج الصندوق؟ فقد شهدت مصر خلال السنوات الماضية إسناد حقائب وزارية مهمة لكفاءات مصرية عالمية في البترول والصناعة وغيرها في خطوة عكست إدراكاً لأهمية الفكر العابر للبيروقراطية التقليدية. فلماذا لا يُطبق النهج ذاته داخل قطاع البترول في الاستثمار الخارجي؟
لماذا لا يتم الاستعانة بخبراء استراتيجيين من خارج الإطار التقليدي للقطاع ممن لديهم خبرة في بناء محافظ أصول دولية وهيكلة تحالفات وإدارة توسع عابر للحدود لوضع خطة طموحة لغزو الأسواق العربية والأفريقية وجنوب شرق آسيا؟ هذه أسواق تمتلك احتياطيات واعدة وتحتاج إلى خبرة تشغيلية أكثر من احتياجها لتمويل كامل ويمكن للتأثير المصري الفني والبشري أن يجد فيها موطئ قدم حقيقياً.
الفرق بين إدارة قطاع داخل حدوده الجغرافية وبين تحويله إلى أداة نفوذ اقتصادي إقليمي هو فرق في الرؤية لا في الإمكانيات فلدينا خبرة تشغيلية تراكمية وكوادر تعمل فعلياً في مشاريع عملاقة وموقع جغرافي يربط أفريقيا بالعالم العربي وآسيا لكن ينقصنا ذراع مؤسسية مرنة للتوسع الخارجي وقرار سريع باغتنام الفرص عند ظهورها وعقلية ترى في الفائض البشري فرصة تصدير إدارة لا مجرد تصدير أفراد.
من كان يتصور أن يأتي يوم تُشيد فيه مصر أحد أكبر السدود الكهرومائية في أفريقيا خارج حدودها وبإدارة وتنفيذ مصريين خالصين؟ مشروع سد جوليوس للطاقة الكهرومائية في تنزانيا لم يكن مجرد عقد إنشاء، بل تجربة متكاملة قادتها أذرع مصرية عملاقة مثل المقاولون العرب والسويدي إليكتريك بدءاً من أعمال التصميم والإنشاء مروراً بتوريد وتصنيع التوربينات والمكونات الكهروميكانيكية وصولاً إلى الإدارة الفنية والتشغيل.
كانت رسالة واضحة بأن مصر قادرة على تصدير الإدارة والهندسة والتنفيذ في مشروع سيادي معقد لا مجرد تصدير عمالة. السؤال المنطقي إذن: لماذا لا يحذو قطاع البترول المصري بإمكاناته البشرية والفنية التي لا تقل تعقيداً أو خبرة حذو هذه التجربة؟ لماذا لا يتحول من مُصدّر كفاءات فردية تعمل تحت مظلات أجنبية إلى مُصدّر إدارة وتشغيل واستثمار متكامل في أسواق عربية وأفريقية وآسيوية تحتاج إلى الخبرة بقدر حاجتها إلى التمويل؟
حقل غرب القرنة-٢ لم يكن مجرد حقل عراقي يعاد اسناد إدارة عملياته، بل كان اختباراً ضمنياً لقدرتنا أو عدم قدرتنا على التحرك خارج الإطار المحلي.
يجب ان لا نكتفي بإدارة تراجع الإنتاج ... دعونا نغزو الأسواق المفتوحة والمليئة بالفرص.