الجمعة 27 فبراير 2026 الموافق 10 رمضان 1447

عثمان علام يكتب: كريم بدوي..حين يرهق المنصب صاحبه

152
المستقبل اليوم

قبل أكثر من ثمانية عشر شهرًا، صدر القرار بتعيين المهندس كريم بدوي وزيرًا للبترول والثروة المعدنية، وجاءت ثقة القيادة السياسية فيه لتتجدد مع تشكيل الحكومة الجديدة، في إشارة واضحة إلى أن الرجل لم يكن عابرًا في المشهد، بل رقمًا فاعلًا في معادلة صعبة، واسمًا أُريد له أن يكمل طريقًا بدأه القطاع منذ يوليو 2024، طريقًا مليئًا بالتحديات، متخمًا بالملفات الثقيلة، ومحفوفًا برياح الداخل والخارج.

جاء الوزير يومها مفعمًا بالحركة، مشبعًا بروح المعركة، لا يعرف السكون ولا يرضى بالجلوس خلف المكاتب الوثيرة، كان حضوره طاغيًا، وحركته لافتة، كأنما خرج من مشهد سينمائي لأبطال المصارعة في أفلام هوليوود؛ قوة في البنيان، سرعة في الخطو، وحسم في القرار، كنا نراه ينتقل بين الحقول البرية ومنصات البحر، يهبط إلى مواقع العمل كما لو كان أحد رجالها، لا يهاب حرارة الصحراء ولا رطوبة البحر، ولا يعتذر عن سفرٍ أو جولةٍ أو متابعة.

بل إن البعض مازح يومًا فقال: لو دخل مباراة في زمن الأسطورة محمد علي كلاي، لربما فاجأه بضربة قاضية من فرط اندفاعه وقوة حضوره، لم تكن المسألة قوة جسد فحسب، بل طاقة نفسية تدفعه إلى اقتحام الملفات اقتحامًا، وإلى طرق الأبواب طرقًا لا يعرف التردد.

ظننا أن هذا النشاط المتقد لن يؤثر فيه، وأن مخزون القوة لديه لا ينفد، ظننا أيضاً أن الرجل مصنوع من صلابة لا تعرف الوهن، وأن وتيرة الحركة التي يعيش بها لن تقتطع من صحته شيئًا، لكن الحقيقة – التي لا يراها الناس إلا بعد حين – أن لكل جسد طاقة، ولكل روح حدًا، وأن المسؤولية حين تثقل لا تترك صاحبها كما كان.

قبل أكثر من نصف عام التقينا الوزير، كان لا يزال محتفظًا بلياقته وبريق حضوره، وإن بدا عليه شيء من الإجهاد الطبيعي لرجل يعمل بلا توقف، ثم مضت الشهور، ورأيناه مرة أخرى، في سحور رمضاني كان بالأمس، فإذا بملامحه قد تغيرت قليلًا؛ شحوب خفيف يكسو الوجه، وهزال نسبي في القوام، وعلامات تعب لا تخطئها العين، لم يكن الأمر دراماتيكي ولا مبالغًا فيه، لكنه كان واضحًا لمن يعرف الرجل ويتابع تفاصيل حضوره.

لاحظ الجميع هذا التغير، وتعددت التفسيرات، قال البعض إن للصيام أثره، وإن الإرهاق الموسمي يترك بصمته على الوجوه، وقال آخرون إن كثرة السفر والتنقل بين الحقول والسفن، وما يتبع ذلك من اجتماعات متلاحقة وساعات نوم متقطعة، كفيل بأن يبدل الملامح. وذهب فريق ثالث – وهم قلة – إلى أن المسألة أعمق من ذلك، وأن ما نراه هو أثر الهموم الثقيلة التي يحملها الرجل على كتفيه.
وأحسب أن هذا الرأي الأخير هو الأقرب إلى الصواب.

فالوزارة ليست حقيبة عادية، وقطاع البترول ليس مؤسسة محدودة التأثير، إنه شريان اقتصاد، وعصب صناعة، وملف يرتبط به بيت كل مواطن، ومصنع كل مستثمر، وموازنة كل دولة. ويكفي أن نتذكر معركة سفن التغييز في الصيف الماضي؛ تلك الأيام التي تحولت فيها الموانئ إلى مسرح قلق وترقب، وكان الوزير يتنقل بين سفينة وأخرى، يتابع الربط والوصول، كأنه أب ينتظر مولودًا جديدًا يخشى عليه من أول نسمة هواء.

لم يكن يتابع من بعيد، ولم يكتفِ بالتقارير، كان حاضرًا، يسأل، ويدقق، ويطمئن، ويعيد السؤال. كان يدرك أن وراء كل ساعة تأخير مصنعًا قد يتعطل، أو بيتًا قد يظلم، أو رأيًا عامًا قد يشتعل. وحين مر الصيف هادئًا نسبيًا، تنفس الناس الصعداء، لكن الرجل – في قرارة نفسه – لم يكن يملك رفاهية الاطمئنان الكامل.

فالهموم في هذا القطاع لا تنتهي. ما إن تُغلق صفحة، حتى تُفتح أخرى، وما إن يُحل ملف، حتى يطل تحدٍّ جديد، صيف قادم يلوح في الأفق، وأسواق عالمية مضطربة، وطلب متزايد، وتوقعات لا ترحم، وبين كل ذلك يقف الوزير في المنتصف، لا يملك إلا أن يكون صلبًا في وجه العاصفة، حتى لو تآكلت أطرافه قليلًا.

ليس من رأى كمن سمع، وليس من يحمل المسؤولية كمن يراقبها من المدرجات، المتفرج في المباراة قد يصرخ، ويغضب، وينتقد، لكنه لا يشعر بثقل الكرة حين تقترب من قدمه في لحظة الحسم، ولا بضغط الجماهير حين تنتظر الهدف، أما من يقف في الملعب، فكل خطوة محسوبة، وكل قرار قد يغير النتيجة.

هكذا يبدو المشهد مع كريم بدوي، الرجل الذي وصفناه يومًا بالخواجة، صاحب البشرة الحمراء والقوام المتين، يبدو اليوم أكثر نحولًا، وأقل امتلاءً، لكن ربما أكثر عمقًا، كأن جسده فقد بعضًا من زخمه، ليكسب في المقابل طبقة إضافية من الصبر والخبرة والصلابة الداخلية.

يقال إن الإنسان حين ينام، يهرب من واقعه إلى أحلامه، أما هو، فيبدو أن نومه – إن جاء – لا ينفصل عن واقعه، فهو يرى في منامه إنتاجًا يتمنى لو ازداد، وغازًا يتدفق من آبار جديدة، ومؤشرات ترتفع، وأزمات تنحسر، يعيش الملف حتى في ساعات الراحة، إن وُجدت.

إنها المسؤولية يا سادة، لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُقاس بما تتركه من أثر على الوجوه. قد تُنقص من الوزن، وقد تسلب شيئًا من البريق، لكنها في المقابل تصنع رجالًا يعرفون أن الكرسي ليس وجاهة، بل عبء. وأن المنصب ليس لقبًا، بل أمانة.

ولعل أجمل ما في المشهد أن الرجل – رغم ما بدا عليه من إرهاق – لم يفقد حركته، ولم يخفت صوته، ولم يتراجع حضوره، لا يزال يجوب المواقع، ويتابع التفاصيل، ويبحث عن حلول، كأنه يراهن على أن الجهد الصادق، مهما أثقل الجسد، يظل أخف وطأة من التقصير.

ويبدو أن ما ظهر على الوزير ظهر على كل القيادات، فهل رأيتم صلاح عبدالكريم قبل توليه الهيئة؟ وهل رأيتم أمل طنطاوي قبل أن تذهب للهيئة؟، وهل رأيتم أحمد راندي قبل عامين من الآن؟، يبدو أن الجميع متعب، لكن، قد يتغير القوام، وقد تشحب الملامح، لكن ما يبقى هو أثر العمل، والرجال لا يُقاسون بامتلاء الوجوه، بل بقدرتهم على حمل ما يعجز غيرهم عن حمله.




تم نسخ الرابط