السبت 07 مارس 2026 الموافق 18 رمضان 1447

ماذا لو أختلف أحد مع راندي أو الباجوري أو ناجي أو عمرو أو داوود أو عبير ؟ أين عمدة الديوان؟

848
المستقبل اليوم

أحياناً تتبادر إلى الذهن أسئلة منطقية تدور في الخاطر، من قبيل: ماذا لو اختلف رئيس شركة مع مسؤول داخل ديوان الوزارة؟ وماذا لو نشب خلاف مع مدير مكتب الوزير المهندس عمرو عبدالحميد؟ أو اللواء محمد حسن؟، أو الدكتور محمد الباجوري؟ أو الدكتور أحمد راندي؟، أو المهندس محمود ناجي؟ أو الأستاذ محمد داوود؟، أو الدكتورة عبير الشربيني ؟

أسئلة من هذا النوع قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تعكس قضية أعمق تتعلق بطبيعة إدارة الخلافات داخل المجتمع البترولي، وهو في النهاية جزء لا يتجزأ من المجتمع المصري بثقافته وتقاليده.

ربما لا تتبادر هذه الأسئلة إلى أذهان الكثيرين، إلا لمن عايشوا عهوداً سابقة داخل ديوان وزارة البترول ومؤسسات الدولة، حيث كانت هناك تقاليد راسخة لإدارة الخلافات، مستمدة في الأساس من الثقافة المصرية القائمة على الحكمة والتدخل الهادئ لفض النزاعات،وهي الثقافة التي أفرزت أمثالاً شعبية مثل: «لاقيني ولا تغديني»، و«اللي ملوش كبير يشتري له كبير»، أو الدعوة إلى «قعدة عرب» لحسم الخلافات.

بالعودة إلى تلك الفترات، وبخاصة في عهد الوزير السابق المهندس طارق الملا، وقبلها في عهد الوزير الأسبق المهندس سامح فهمي، كانت هناك منظومة غير مكتوبة لإدارة الأزمات داخل الديوان العام، قائمة على وجود شخصيات تحظى بالقبول والاحترام، تتدخل لاحتواء أي خلاف قبل أن يتفاقم.

ففي عهد المهندس سامح فهمي، كان للديوان العام ما يشبه “العمدة”، وهو المحترم وهبة عيسى، الذي كان قادراً على إنهاء أي أزمة بين قيادات القطاع أو حتى بين قيادي وصحفي، أحياناً بمكالمة هاتفية أو لقاء قصير يعيد الأمور إلى نصابها.

ثم جاء عهد المهندس عبدالله غراب، حيث بقيت بعض ملامح تلك المدرسة، وأتذكر شخصياً واقعة كنت شاهداً عليها عندما اندلع خلاف حاد بيننا كأسرة تحرير وبين أحد المسؤولين، فانتفض عدد من قيادات الديوان العام لرأب الصدع، وقاد كل من طارق الحديدي ومحمود نظيم وهاني ضاحي، جلسة مصالحة استمرت لساعات داخل مكتب المهندس طارق الحديدي، تحوّل بعدها الخلاف إلى علاقة احترام ومودة استمرت حتى اليوم.

وفي عهد المهندس طارق الملا، لعب طارق القلاوي دوراً مهماً في هذا الإطار، كما كان للإعلامي حمدي عبدالعزيز دور بارز في احتواء الأزمات بين القيادات والصحفيين، وأذكر أن عدد القضايا التي أقيمت ضدي آنذاك تجاوز 12 قضية، لكنها انتهت جميعاً في جلسة واحدة، بعد إصرار الوزير طارق الملا على عدم وجود خلافات دائمة بين القيادات والمتعاملين مع الوزارة، أياً كانت طبيعة عملهم.

كما كان للأستاذ إبراهيم خطاب يتدخل في بعض الحالات التي تخص القيادات الكبرى، بينما لعب هشام لطفي دوراً مهماً باعتباره أحد “عُمد” الديوان العام الذين يلجأ إليهم الجميع عندما يحتدم الخلاف.

لكن مع مرور الوقت، تراجعت هذه الأدوار شيئاً فشيئاً، وبات الديوان العام في حاجة إلى شخصية أو أكثر تمتلك القدرة على القيام بهذا الدور؛ دور “العمدة” الذي يفتح بابه للجميع، ويعمل على شرح وجهات النظر واحتواء الأزمات قبل أن تصل إلى ذروتها.

ففي الماضي، كان من الطبيعي أن نختلف مع حمدي عبدالعزيز، فيتدخل طارق القلاوي، أو نختلف مع طارق القلاوي فيتدخل حمدي عبدالعزيز، أما اليوم، فإذا اختلف أحد مع محمد داوود مثلاً، فمن الذي سيتدخل؟ وهل يتدخل عمرو أشرف؟ وإذا كان الخلاف مع عمرو أشرف، فهل يتدخل محمد داوود؟ وإذا كان مع الدكتور محمد الباجوري، فهل يتدخل المهندس محمود ناجي؟ وهكذا تتكرر الأسئلة.

الجميع يدرك أن من يختلف مع قيادات الوزارة من رؤوساء الشركات قد يكون مصيره في النهاية الإبعاد أو الإقصاء، لكن السؤال الأهم: لماذا لا يكون هناك من يمتلك حكمة الكبار وشيم العُمد، فيتدخل قبل أن يصل الخلاف إلى ذروته؟

حتى في دول كبرى مثل الولايات المتحدة، نجد نماذج مشابهة، حيث يجتمع الدور التنفيذي مع الدور المجتمعي؛ فهناك من يملك القرار الإداري، وهناك من يملك القدرة على احتواء المجتمع وامتصاص الخلافات، وعندما يحتدم النزاع، يظهر هذا الدور الوسيط ليعيد التوازن بين الأطراف، وجميعكم يعرف أن في كل ولاية، يوجد رئيس البلدية وعمدة الولاية.

لسنا في حاجة إلى اختراع العجلة، بل ربما نحتاج فقط إلى استعادة بعض من أدبيات قطاع البترول التي ترسخت في عهود سابقة، خاصة في زمن سامح فهمي وطارق الملا، حين لعبت شخصيات مثل إبراهيم خطاب وهشام لطفي وطارق القلاوي وحمدي عبدالعزيز، وغيرهم دوراً محورياً في ترسيخ هذه الثقافة.

اليوم، وبعد مرور ما يقرب من عشرين شهراً على تولي المهندس كريم بدوي مسؤولية وزارة البترول واستمراره لفترة ثانية، يبدو أنه بدأ يدرك طبيعة المجتمع البترولي وأدبياته الخاصة، وربما خلع تدريجياً ما يمكن تسميته بـ“عباءة الخواجة” التي لازمته في بداية عهده، وهو ما ظهر في لقاءاته المتعددة، وفي أسلوبه الأكثر قرباً من العاملين والمتعاملين، وحرصه على المصافحة المباشرة والتواصل مع الجميع في المناسبات المختلفة، بود اكثر من ذي قبل.

ويبقى السؤال:
هل يستعيد الديوان العام تقاليد “العُمد” الذين كانوا ينهون الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات؟ أم أن إدارة الخلاف ستظل مؤجلة إلى أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة؟

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط