رمضانيات...الكذب في الشخصية المصرية
لم تختلف الأديان في نبذ صفة مذمومة مثلما فعلت مع الكذب. تعتبره الأديان أساس البلاء ومهلكة للناس بعد أن يظلّلهم عدم اليقين أو الإيمان بأي مقولة أو فعل. لم يفلح رمضان أو أي طقوس دينية أخرى، وكذلك الأمثال والحكاوي الشعبية، في محو تلك الصفة اللعينة. ربما يكون هناك هدنة في هذا الشهر ولو بشكل رمزي، وما تلبث أن تعود بشكل قوي بعد انتهائه.
وتُتهم الشخصية المصرية بأن الكذب صفة متأصلة بها، وينتشر هذا القول على نطاق واسع للأسف داخليًا وخارجيًا. ويصيبك الغم أن تسمع من بعض المتعاملين في الشأن القضائي أن أكثر من ٨٠٪ من القضايا المعروضة هي نتيجة لكذب أطرافها واختلاق وقائع ومستندات تطيل أمد التقاضي وتضيع معها الحقوق.
وتأتي شكاوى العاملين بالخارج من صعوبة التعامل القنصلي معهم كمشكلة متأصلة منذ عشرات السنين، ويدافع المسؤولون عن ذلك بأن ما يتم تقديمه لهم من معلومات ومستندات تكون غالبًا مغلوطة أو معلومات غير صحيحة.
وهكذا في كافة أوجه الحياة الأخرى افتقد الناس الثقة في تعاملاتهم، وأصبحوا يلقبون الكذب إما بالنصب أو الفهلوة أو تشغيل المخ في أمور كثيرة، وللأسف كل ذلك صور مختلفة لعملة واحدة.
ويأتي على الجانب الآخر المدافعون عن هذا الحال ويفسرون أن الشخصية المصرية لا تكذب، ولكنها تجتهد في إيجاد الحيلة للتغلب على الصعاب والروتين الذي زرعه فينا الاستعمار بكل جنسياته، وأن الكذب ما هو إلا نوع من المقاومة لما يجده الإنسان في حياته من صعوبات في ظل الروتين والمستندات غير المعقولة بل وشبه المستحيلة، وما إلى ذلك من سلسلة طويلة من الصعاب يواجهها في حياته.
ربما كانت هذه الفكرة هي اللبنة الأولى لما يُسمى بميكنة الخدمات الجماهيرية، والتي تعتمد على قاعدة بيانات ثابتة لا يتدخل فيها العنصر البشري بشكل مباشر، وهكذا بدأنا مشوارًا طويلًا للابتعاد عن هوة المستندات والإجراءات.
وبينما نحن نسابق الزمن في هذا المجال، أتحفتنا البشرية بأكبر كاذب ومزوّر في التاريخ وهو الذكاء الاصطناعي، وهو يتغلغل في كل ما هو إلكتروني سواء معلومات أو مشاهد أو مستندات، وهكذا تظل دائرة الكذب والتضليل في حياتنا إلى ما لا نهاية.
والسلام،،
سقراط