الخميس 12 مارس 2026 الموافق 23 رمضان 1447

عثمان علام يكتب: بين تكلفة البنزين وتكلفة الفوضى…أيهما أخطر؟

242
المستقبل اليوم

ليس غريبًا أن يغضب المواطن المصري من قرار رفع أسعار المواد البترولية. فمثل هذه القرارات تمس الحياة اليومية للناس بشكل مباشر، وتؤثر في ميزانية الأسرة وتكاليف المعيشة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي يشعر بها الجميع. وربما لو خرج أي مسؤول أو كاتب أو حتى مواطن مدافعًا عن القرار، فسيجد نفسه في مواجهة سيل من النقد والهجوم، وربما الشتائم أيضًا.

لكن، بعيدًا عن حالة الغضب الطبيعية، ربما يكون من الضروري أن نحكم عقولنا قليلًا، وأن ننظر إلى الصورة الأكبر… الصورة التي تتجاوز حدود القرار نفسه إلى ما يحدث حولنا في المنطقة والعالم.

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن منطقتنا تمر بواحدة من أصعب الفترات في تاريخها الحديث. فحولنا دول وشعوب تعيش صراعات وحروبًا وأزمات سياسية واقتصادية خانقة. ما يحدث في سوريا وفلسطين والعراق والسودان ولبنان ليس بعيدًا عن أعيننا، بل هو مشهد يومي يذكرنا بحجم الاضطراب الذي تعيشه المنطقة. حتى الدول التي تبدو مستقرة ظاهريًا تعيش حالة من القلق والترقب بسبب التوترات الإقليمية المتلاحقة، وانظروا الى الامارات والسعودية وقطر والبحرين والكويت، حتى تركيا باتت في مرمى النيران .

لقد أصبحت المنطقة بأسرها على صفيح ساخن، والحروب والنزاعات لم تترك دولة إلا ولامستها بشكل مباشر أو غير مباشر. حتى الدول التي تمتلك النفط والثروات الطبيعية باتت تشعر بالقلق على استقرارها، لأن امتلاك الثروة لم يعد وحده كافيًا لضمان الأمن أو الاستقرار في عالم يموج بالصراعات.

وسط هذه الصورة المعقدة تقف مصر في قلب المنطقة، ليس فقط جغرافيًا، بل سياسيًا وتاريخيًا أيضًا. فمصر كانت وما تزال حجر الزاوية في استقرار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كثير من الشعوب في المنطقة تدرك جيدًا أن قوة مصر ليست شأنًا مصريًا داخليًا فقط، بل هي عنصر توازن واستقرار إقليمي.

ولهذا يردد كثيرون عبارة قد تبدو مبالغًا فيها لكنها تحمل قدرًا كبيرًا من الحقيقة: إذا مرضت مصر مرضت المنطقة، وإذا ضعفت مصر اختل ميزان الاستقرار في الشرق الأوسط. فالدولة المصرية ليست دولة عادية في معادلة المنطقة، بل هي محور رئيسي في معادلات الأمن والسياسة والاقتصاد.

من هنا، عندما نتحدث عن قيمة الأمن والاستقرار في مصر، فإننا نتحدث عن نعمة حقيقية قد لا يشعر بها البعض إلا عندما يفقدها. فالأمن والأمان والاستقرار ليست شعارات تُردد، بل هي أساس الحياة نفسها. وقد تكون أغلى بكثير من أي سلعة أو خدمة، حتى لو كانت مرتبطة بالحياة اليومية مثل البنزين أو أسطوانة البوتاجاز.

هذا لا يعني التقليل من معاناة الناس، أو تجاهل الضغوط الاقتصادية التي يشعر بها المواطن المصري. فالجميع يتأثر بارتفاع الأسعار، والجميع يواجه صعوبات في تدبير احتياجاته. ومن يكتب هذه الكلمات ليس بعيدًا عن هذه المعاناة، بل يعيشها مثل ملايين المصريين الذين يحاولون التكيف مع واقع اقتصادي صعب.

لكن عندما ننظر إلى ما يحدث حولنا في المنطقة، تتضح الصورة بشكل مختلف. فالدول التي تعيش الحروب والصراعات لا تتحدث عن أسعار الوقود أو تكلفة المعيشة، بل عن أبسط مقومات الحياة: الأمان، والغذاء، والدواء، والسقف الذي يحمي العائلات من التشرد.

حتى في الدول الكبرى البعيدة عن منطقتنا، لم تكن الأوضاع الاقتصادية سهلة. فقد شهدت العديد من الدول المتقدمة ارتفاعات ملحوظة في أسعار الطاقة والوقود خلال السنوات الأخيرة. ففي الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا عمومًا، واجهت الحكومات ضغوطًا اقتصادية كبيرة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، واضطرت إلى تطبيق سياسات تقشفية وبرامج إصلاح اقتصادي قاسية لتجاوز الأزمات.

بمعنى آخر، فإن أزمة ارتفاع الأسعار ليست ظاهرة محلية تخص مصر وحدها، بل هي جزء من موجة اقتصادية عالمية تأثرت بعوامل كثيرة، من بينها الأزمات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة العالمية.

ربما لا يكون ارتفاع الأسعار أمرًا سهل القبول، وربما يشعر المواطن بأن العبء يزداد يومًا بعد يوم، لكن النظر بعقلانية إلى المشهد الكامل قد يساعدنا على فهم أن ما يحدث ليس بمعزل عن الظروف المحيطة بنا.

ففي كثير من الأحيان يكون تحمل بعض الصعوبات أقل كلفة بكثير من الانزلاق إلى الفوضى. وقد يكون التكيف مع ظروف اقتصادية صعبة أفضل من فقدان الاستقرار بالكامل. فالفرق كبير بين أن تعاني من ارتفاع الأسعار، وبين أن تفقد الدولة قدرتها على الحفاظ على الأمن والنظام.

إن الدول لا تُدار بالعواطف وحدها، بل بحسابات معقدة تتعلق بالاقتصاد والسياسة والأمن القومي. وقد تكون بعض القرارات صعبة أو غير شعبية، لكنها تُتخذ أحيانًا لتجنب أزمات أكبر في المستقبل.

وفي النهاية، يبقى الأمل أن تتجاوز مصر هذه التحديات كما تجاوزت غيرها من الأزمات عبر تاريخها الطويل. فهذه الدولة التي صمدت لآلاف السنين قادرة على العبور من الأوقات الصعبة، طالما ظل شعبها واعيًا بحجم التحديات، ومتمسكًا بوحدته واستقراره.

ربما تختلف الآراء حول القرارات الاقتصادية، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي، لكن ما لا يختلف عليه أحد هو أن استقرار مصر وأمنها يظل القيمة الأكبر التي يجب الحفاظ عليها.

ففي عالم مضطرب كعالمنا اليوم، قد يكون أغلى ما تملكه الأوطان ليس الثروة ولا الموارد… بل القدرة على البقاء آمنة ومستقرة.




تم نسخ الرابط