الثلاثاء 03 فبراير 2026 الموافق 15 شعبان 1447

مجرد رأي: يس محمد وكوميديا البحث عن فضيحة

1040
المستقبل اليوم

أشرنا بالأمس إلى أن الحركات التي صدرت، وتلك التي لا تزال تصدر، منذ ما يزيد على عشر سنوات، تكاد تكون صورة مكررة لا يختلف فيها المشهد إلا بتبدّل الأسماء. لا جديد يُذكر، ولا تغيير يُرجى. قيادات تتبدل شكليًا، بينما الجوهر واحد: مجموعة تُقصى وتعصف بها الرياح، ومجموعة تترقى وهي مستحقة بالفعل، وأخرى تصعد على نحو يثير علامات استفهام مشروعة. وكل ذلك يشي بوضوح بوجود قوى كامنة وإدارة خفية تحرّك المشهد من خلف الستار، حتى وإن جاء الوزير من كوكب المريخ أو من جنات الخلد.

قد لا تثير هذه الوقائع دهشة لدى البعض، وربما لا يترتب عليها، في ظاهر الأمر، فارق ملموس في مسار القطاع. لكن ما بات لافتًا وغريبًا في آنٍ واحد هو المنهج المتبع مؤخرًا، والقائم على الإطاحة بقيادات كبيرة تحظى بحب واحترام واسع داخل القطاع، بل وتشهد لها القيادات الأعلى بالكفاءة والصلابة والقدرة على الإدارة. وآخر هذه الحالات ما جرى للمهندس يس محمد، وكيل أول الوزارة للسلامة، والرئيس الأسبق للشركة القايضة للغازات الطبيعية إيحاس.

العُرف المستقر، منذ عهد المهندس سامح فهمي، كان يقوم على قاعدة واضحة: إذا ما قرر الوزير إبعاد قيادة كبيرة، أو صبّ عليها غضبه لأي سبب، فإن الإبعاد لا يكون على نحو يمس الكرامة أو المعنويات. بل على العكس، كان يتم احتواء الموقف بنقل هذه القيادات إلى مواقع أخرى تحفظ لهم مكانتهم وامتيازاتهم، بما ينزع فتيل الخصومة ويحول دون تحوّل القرار إلى كسر معنوي. فالإضرار بالمعنويات أخطر بكثير من تغيير المواقع، وكانت هناك دائمًا كيانات داخل القطاع قادرة على حفظ ماء الوجه لكبار المسؤولين.

والتاريخ شاهد على ذلك. فعندما غادر الدكتور ماهر أباظة وزارة الكهرباء، تم تعيينه رئيسًا لشركة ميدتاب. وعندما خرج محمد إبراهيم سليمان من وزارة الإسكان، تولّى رئاسة شركة خدمات البترول البحرية pms . كذلك شهد القطاع انتقال عدد من القيادات البارزة من داخل الوزارة إلى شركات مثل سوميد، من بينهم كمال مصطفى، وشامل حمدي، ومحمود نظيم، وطارق الحديدي ،وعبدالعليم طه، ورفعت خفاجة في ثروة للبترول، وغيرهم كثيرون. وهي جميعها شركات تابعة للقطاع، لكنها بعيدة نسبيًا عن الضغوط اليومية ومرمى النيران، وتوفر بيئة تحفظ الهيبة وتراعي الثقل الوظيفي والتاريخ المهني.

هكذا كانت تُدار المعادلة بصورة متوازنة: خروج من موقع، مقابل انتقال محسوب يحفظ المقام. أما ما جرى في حالة المهندس يس محمد، فيمثل خروجًا عن هذا النهج المستقر. فقد كانت أمام الوزير خيارات عديدة تضمن للرجل مكانًا يتناسب مع تاريخه ومكانته، ويصون هيبة المناصب التي شغلها. لكن أن يتم توجيهه إلى شركة لا تعمل فعليًا إلا شهرًا واحدًا في العام عند تصدير شحنة غاز، فذلك قرار أحدث حالة واضحة من عدم الرضا داخل أوساط قيادات القطاع.

قد يقرأ البعض المشهد على أنه إجراء يخص المهندس يس محمد وحده، لكن من يدرك أبعاد ما جرى يعلم جيدًا أن الرسالة أبعد من شخص بعينه. الرسالة تقول ببساطة: ما حدث له قد يحدث لغيره. ومن هنا نشأت حالة من القلق والتوجس داخل الصف القيادي، تشبه إلى حد بعيد الحالة الكوميدية التي جسدها عادل إمام في فيلم البحث عن فضيحة، حين كان سمير صبري يرعبه كلما همّ بالدخول في علاقة أو حتى التفكير في الزواج، مذكرًا إياه دومًا بما حدث لعبدالشكور الذي انتهى به الأمر ممزقًا إربًا. الفارق هنا أن المشهد ليس كوميديًا، بل بالغ الجدية والخطورة.

أصعب ما قد تواجهه أي مؤسسة هو غياب التماسك الداخلي، وضعف الجبهة الداخلية. فهذه مسألة محورية لا تقل أهمية عن القرارات الإدارية ذاتها. عندما يفقد المسؤول ظهيره المعنوي، ويغيب عنه الدعم الشعبي والعقل الجمعي داخل المؤسسة، تصبح قراراته معزولة، مهما حسنت نواياه. وعندما يشعر العاملون بعدم الأمان الوظيفي، يتراجع الحماس، ويتحول الأداء إلى مجرد سعي للبقاء في مناطق آمنة، بعيدًا عن المخاطرة أو الإبداع، خوفًا من بطش مفاجئ أو قرار غير متوقع. والنتيجة الطبيعية لذلك هي ضعف الإنتاج، وتراجع معدلات العمل، وانكماش الروح المعنوية.

قد لا تكون لدى المهندس كريم بدوي حسابات شخصية مع أحد، بما في ذلك المهندس يس محمد. لكن من المؤكد أن هناك من كانت له مصلحة مباشرة في إبعاد يس عن المشهد. وهنا تبرز مسؤولية الوزير في إدراك أن هؤلاء لا يعنيهم العمل ولا الإنتاج، بقدر ما تعنيهم مصالحهم الشخصية الضيقة، ولو كان الثمن ذهاب القطاع كله إلى الجحيم.

إن ما حدث للمهندس يس محمد ليس مجرد واقعة عابرة، بل رمز ودلالة على أن ما يُعرف بـ«الدولة العميقة» داخل القطاع لا تزال حاضرة، تمسك بالعصا، وتحرك المشهد أحيانًا بعيدًا عن رؤية الوزير أو حتى رغبته. وتلك مسألة إن لم يتم التنبه لها مبكرًا، فقد تدفع القطاع ثمنها باهظًا على المدى القريب والبعيد.والسلام .

#سقراط




تم نسخ الرابط