الأربعاء 20 مايو 2026 الموافق 03 ذو الحجة 1447

وائل عطية يكتب: العامة للبترول…لغز الكنز المفقود

181
المستقبل اليوم

بعض أ الكنوز لا تكون مدفونة تحت الأرض… بل تكون أمام أعيننا طوال الوقت دون أن ننتبه إلى قيمتها الحقيقية.
وهكذا تبدو الشركة العامة للبترول ... شركة عاشت لعقود في الظل رغم أنها كانت وما زالت واحدة من أهم الأعمدة التي قام عليها قطاع البترول المصري. 
فمن رحم هذه الشركة خرجت كيانات عديدة وتشكلت مدارس فنية وإدارية صنعت جزءًا مهمًا من تاريخ صناعة البترول في مصر. ورغم ذلك، بقيت العامة للبترول تعمل بصمت بعيدًا عن الأضواء تؤدي دورها الوطني دون ضجيج ودون أن تدخل في دوائر الصخب المعتادة حول خلافات الشركاء الأجانب أو مستحقاتهم أو نزاعات استرداد التكاليف.

وربما لهذا توقفت كثيرًا أمام وصف المهندس طارق الملا رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب للشركة العامة للبترول بأنها (الذراع البترولي) و (الكنز الحقيقي) لقطاع البترول المصري خلال مناقشة موازنة وزارة البترول والثروة المعدنية.
لكنني أخالفه الرأي قليلًا… فالعامة ليست مجرد كنز حقيقي، بل هي لغز الكنز المفقود.

فالكنز الحقيقي يكون معروفًا ومُكتشفًا وقيمته واضحة للجميع أما الكنز المفقود فهو موجود أمامنا منذ سنوات طويلة لكننا لم ننجح بعد في اكتشاف كامل قيمته أو كيفية تعظيم الاستفادة منه. ومصر مليئة بهذه النماذج، فالثروة لا تُخلق دائمًا من العدم، بل أحيانًا يكون الإنجاز الحقيقي هو القدرة على اكتشاف القيمة الكامنة فيما نملكه بالفعل.

ولعل تجربة جهاز مستقبل مصر خير مثال على ذلك، فالأرض موجودة منذ آلاف السنين لكن الإنجاز الحقيقي كان في اكتشاف الفرصة وفهم كيفية تحويلها إلى مشروع قومي عملاق لتنمية الدلتا الجديدة وزراعة أكثر من مليوني فدان لتصبح القيمة الحقيقية هنا ليست في الأرض ذاتها، بل في الرؤية التي أعادت اكتشافها.
وبالمنطق نفسه تبدو العامة للبترول واحدة من أعظم الكنوز التي لم تحصل حتى الآن على ما تستحقه من قراءة وتقييم.

تأسست الشركة العامة للبترول عام ١٩٥٧ عقب تأميم شركة آبار الزيوت الأنجلو- مصرية (شل سابقًا) لتبدأ منذ اللحظة الأولى رحلة وطنية خالصة في البحث والاستكشاف والإنتاج. ولم تنتظر طويلًا لتثبت قدرتها، ففي عام ١٩٦٠ نجحت بسواعد وخبرات مصرية في اكتشاف حقل بكر كأول كشف بترولي بأيادٍ مصرية خالصة وهو الحقل الذي لا يزال ينتج حتى اليوم كشاهد حي على جودة ما أُسس في تلك المرحلة. ولم يكن بكر سوى البداية، فقد توالت بعده الاكتشافات الكبرى مثل عامر وأم اليسر وكريم وعيون بينما استمرت عمليات البحث والاستكشاف والتنمية بوتيرة متصاعدة لتمتد خارج خليج السويس إلى الصحراء الغربية حيث نجحت الشركة في اكتشاف أكثر من عشرة حقول جديدة.
واليوم تبقى الشركة العامة للبترول حالة فريدة داخل قطاع البترول المصري باعتبارها الشركة الوحيدة التي تمتلك مناطق امتياز تمتد عبر الصحراء الغربية، والصحراء الشرقية، وخليج السويس، وسيناء.

وتنتج الشركة حاليًا نحو ٧٠ ألف برميل مكافئ يوميًا منها قرابة ٦٠ ألف برميل زيت خام وهو ما يؤكد استمرارها كأحد أهم روافد شريان الطاقة المصري رغم تقادم كثير من حقولها والتحديات الطبيعية المرتبطة بها.
ولعل هناك مناطق أخرى كانت تتبع الشركة العامة أصبحت اليوم من الحقول المهمة في خريطة الإنتاج المصرية خاصة في منطقة أبو سنان بالصحراء الغربية مثل علم الشاويش وشرق أبو سنان وأبو سنان نفسها وهي نماذج إضافية تؤكد أن كثيرًا من الأصول التي بدت يومًا محدودة الإمكانات كانت تخفي فرصًا واعدة لإنتاج وقيمة اقتصادية كبيرة.
لكن القيمة الحقيقية للشركة لا تتوقف فقط عند حجم إنتاجها المباشر، بل تمتد إلى قدرتها على خلق نماذج نجاح جديدة من أصول كان البعض يعتقد أنها استنفدت كامل طاقتها.
فمن عباءة العامة للبترول وبالاستفادة من قانون تأسيسها الخاص ظهرت نماذج عديدة لاتفاقيات خدمات الاستكشاف والإنتاج أتاحت لشركات مختلفة إعادة إحياء مناطق كانت تبدو وكأنها خرجت من الحسابات الاقتصادية.
ومن أبرز هذه التجارب شركات مثل سيمتار في حقول عسران ودبلن وكويت إنيرجي بالصحراء الشرقية ثم التجربة الأهم والأكثر إثارة للاهتمام: تجربة شركة مديتيرا في حقول سدر وعسل ومطارمة.

عندما استحوذت مديتيرا على تلك المناطق عام ٢٠١٦ لم يكن إجمالي إنتاجها يتجاوز ١٢٠٠ برميل يوميًا وهي أرقام متواضعة للغاية إذا ما قورنت بتاريخ هذه الحقول الممتد منذ اكتشافها في أربعينيات القرن الماضي.

لكن ما حدث بعد ذلك يستحق الدراسة. فخلال أربع سنوات فقط بين ٢٠١٩ و ٢٠٢٣ وبعد تنفيذ برامج إصلاح الآبار والحفر والتنمية قفز الإنتاج إلى نحو ٢٣ ألف برميل يوميًا في واحدة من أهم قصص إعادة إحياء الحقول المتقادمة في مصر.
والأهم من حجم الإنتاج نفسه هو قيمته الاقتصادية فهذه الحقول رغم قدمها تتمتع بتكاليف تشغيل منخفضة نسبيًا وهو ما يجعل عائدها الاقتصادي في بعض الأحيان أفضل من حقول تنتج ٣٠ ألف برميل يوميًا ولكن بتكاليف أعلى كثيرًا.
ولا يمكن قراءة هذه التجربة دون تذكر التاريخ الصعب لتلك المناطق التي اكتُشفت منذ عام ١٩٤٦ ثم تعرضت خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لاستنزاف شديد استمر قرابة عشر سنوات قبل أن تدخل لاحقًا في مرحلة طويلة من التراجع اقتصر خلالها إنتاج بعضها على مئات البراميل فقط يوميًا.
ورغم تراجع إنتاج مديتيرا حاليًا إلى نحو ١٤ ألف برميل يوميًا نتيجة انخفاض حجم العمليات خلال العامين الماضيين فإن هناك خططًا لاستئناف برامج العمل والتنمية بما يدعم زيادة الإنتاج مرة أخرى.
والحقيقة أن هذه القصة لا تخص مديتيرا وحدها، بل تمثل نموذجًا تكرر في مناطق عديدة تابعة للشركة العامة للبترول حيث بدأت الكنوز المفقودة في الإفصاح عن قيمتها الحقيقية بمجرد دخول شركاء يمتلكون رؤية مختلفة وقدرة أكبر على التطوير مثل دبلن وكويت إنرجي وسيمتار وغيرها.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل هناك فرصة حقيقية لتعظيم دور الشركة العامة للبترول التي يعمل بها أكثر من ٣٧٠٠ عامل؟

المهندس طارق الملا الذي تولى وزارة البترول لمدة تسع سنوات أشار بوضوح إلى أن الشركة تمتلك من الاحتياطيات والإمكانات ما يؤهلها لتحقيق طفرة إنتاجية كبرى بشرط توفير التمويل اللازم داعيًا إلى مراجعة هيكل تمويلها وتطويره بما يتناسب مع دورها الاستراتيجي. وهنا تبدو المشكلة أكثر وضوحًا.
فالشركة العامة باعتبارها شركة وطنية مملوكة للدولة تخضع لمنظومة تمويل تقليدية تتجنب في أغلب الأحيان الدخول في مستويات مرتفعة من المخاطرة حتى وإن كانت تلك المخاطرة محسوبة وضرورية لتحقيق نمو أكبر.
كما أن طبيعة تأسيس الشركة نفسها تجعل حركة الإدارة محدودة ومقيدة بعدد كبير من الإجراءات والعوامل المؤثرة في اتخاذ القرار إضافة إلى التداخل الواسع للأجهزة الرقابية التي تنظر إلى العامة للبترول باعتبارها وحدة إدارية تخضع لمنطق الدولة البيروقراطي أكثر من كونها كيانًا اقتصاديًا يحتاج إلى عقلية المستثمر وسرعة قراره ومرونة حركته.
ومن هنا فإن القضية لا تتعلق فقط بزيادة الإنتاج، بل بإعادة تعريف طريقة إدارة هذا النوع من الكيانات الوطنية ذات القيمة المضافة.
فالشركة العامة وغيرها من المؤسسات المشابهة تحتاج إلى منظومة مختلفة وآليات أكثر مرونة تمكنها من الإفصاح عن قيمتها الحقيقية والتحرك بحرية أكبر في اتخاذ القرار والتمويل والتوسع. 
وربما لا يعلم كثيرون أن قانون تأسيس الشركة العامة للبترول يمنحها الحق في البحث والاستكشاف وإنتاج البترول خارج حدود جمهورية مصر العربية وهي نقطة شديدة الأهمية في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى التوسع الخارجي كأحد الحلول الاستراتيجية لمعالجة الفجوة المتزايدة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت هذه الإمكانات موجودة بالفعل، فلماذا لم تُفعل؟
وخلال السنوات التسع التي تولى فيها المهندس طارق الملا وزارة البترول لم تظهر محاولة حقيقية لإعادة اكتشاف إمكانات العامة للبترول أو تحريرها من قيود الروتين الإداري وآليات التمويل المعقدة رغم أن التجارب العملية أثبتت مرارًا أن هذه الشركة لا ينقصها البترول، بل ينقصها فقط النموذج القادر على إطلاق طاقتها الكامنة.
وربما تكون البداية الحقيقية ليست في زيادة عدد الآبار أو توقيع اتفاقيات جديدة فقط، بل في إعادة تأسيس الشركة بالكامل بشكل يواكب تطورات صناعة الطاقة العالمية.
فـالشركة العامة للبترول تحتاج اليوم إلى إعادة هيكلة شاملة تنقلها من نموذج الشركة الحكومية التقليدية إلى نموذج (شركة الطاقة الوطنية) القادرة على العمل بعقلية استثمارية مرنة.
إعادة هيكلة تشمل فصل الأنشطة إلى قطاعات مستقلة وواضحة مثل الاستكشاف والإنتاج والخدمات الفنية والتداول والاستثمار الخارجي بما يسمح بقياس الأداء الحقيقي لكل نشاط وخلق مراكز ربح مستقلة قادرة على جذب التمويل والشراكات.
كما تحتاج الشركة إلى إعادة تصميم هويتها بالكامل … شكلًا ومضمونًا، هوية جديدة لا تعني مجرد تغيير شعار أو اسم تجاري، بل تعني بناء فلسفة مختلفة للإدارة والعمل تعتمد على الكفاءة والسرعة والحوكمة والقدرة على المنافسة.
هوية تجعل العامة للبترول تبدو أمام المستثمرين والمؤسسات المالية كشركة طاقة حديثة لا كوحدة إدارية تقليدية.
ولأن المستقبل الحقيقي لصناعة البترول لم يعد قائمًا فقط على الإنتاج فإن الشركة تحتاج أيضًا إلى إنشاء ذراع متخصصة لتداول البترول والطاقة بما يسمح لها بالدخول في أنشطة التجارة والتسويق وإدارة المخاطر وهي الأنشطة التي تحقق اليوم جزءًا كبيرًا من أرباح شركات الطاقة العالمية. 
كما أن التوسع خارج مصر لم يعد رفاهية، بل ضرورة استراتيجية، فالقانون يسمح للشركة بالعمل خارج الحدود ويمكن استغلال ذلك للدخول في مناطق امتياز جديدة بأفريقيا والشرق الأوسط أو شراء حصص إنتاج في حقول قائمة بما يحول العامة للبترول من شركة محلية إلى ذراع طاقة إقليمية للدولة المصرية.
أما الخطوة الأهم فهي طرح جزء من الشركة في البورصة، ولكن وفق رؤية مختلفة. طرح لا يستهدف فقط جمع السيولة، بل يستهدف خلق كيان اقتصادي حقيقي يمتلكه المصريون خاصة المصريين العاملين بالخارج الذين يبحث كثير منهم عن فرص استثمار وطنية موثوقة. طرح يمنح الشركة مرونة أكبر في التمويل ويرفع مستوى الشفافية والحوكمة ويخلق قيمة سوقية حقيقية لأصولها ويدفع الإدارة للتحرك بعقلية اقتصادية أكثر احترافية. فالعامة للبترول لا ينقصها التاريخ، ولا الاحتياطي، ولا الكوادر البشرية، ولا الفرص، ما ينقصها فقط هو القرار. قرار يعترف بأن هذا الكيان العريق لا يجب أن يبقى أسير عقلية الستينيات بينما العالم كله يتحرك بسرعة نحو نماذج جديدة لشركات الطاقة.

فالعامة ليست عبئًا على الدولة كما قد يتصور البعض، بل ربما تكون واحدة من أهم الفرص الضائعة التي تنتظر فقط من يعيد اكتشافها ويمنحها الحرية لتصبح ما تستحق أن تكونه.
وهنا تتجلى الحقيقة الأهم:
الثروة لم تكن غائبة ...
لكننا كنا بحاجة فقط إلى من يعيد اكتشافها.




تم نسخ الرابط