الخميس 17 سبتمبر 2026 الموافق 06 ربيع الثاني 1448

قبل أن تذهب للمجهول..لماذا لا تستحوذ مصر على أصول بي بي ؟

229
المستقبل اليوم

في عالم البترول، لا يكفي أن تنجح في توفير احتياجات السوق اليوم، لأن القرارات الكبرى في هذه الصناعة تظهر بما ستضيفه أو تخصمه من ميزان الطاقة بعد خمس وعشر وعشرين سنة، ومن هنا، فإن ما يجري بشأن اتجاه شركة بي بي لإعادة ترتيب محفظتها من الأصول في مصر لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد صفقة تجارية بين شركتين أجنبيتين، وإنما باعتباره فرصة تستحق أن تدرسها الدولة المصرية بسرعة وجدية.

المعلومات المنشورة في 27 أغسطس 2026 تشير إلى دخول شركة «إنرجيان» في مفاوضات حصرية لشراء بعض أصول بي بي في مصر، في صفقة قد تصل قيمتها إلى نحو مليار دولار، وتشمل حصص بي بي في أصول غرب دلتا النيل البحرية المنتجة، بالإضافة إلى حصة تعاقدية قدرها 50% في امتياز التمساح بشرق المتوسط، حسب وكالة Reuters⁠

وهنا يصبح السؤال الذي يجب أن يوجه لوزير البترول ك: إذا كانت بي بي قد قررت البيع، فلماذا لا تدرس مصر شراء هذه الأصول؟


الحديث هنا ليس عن مناطق استكشاف مجهولة النتائج، ندفع فيها الأموال ثم ننتظر سنوات لمعرفة ما إذا كان الحفر سيقود إلى كشف تجاري أم لا، نحن نتحدث، ضمن المحفظة المطروحة بحسب المعلومات المنشورة، عن مصالح في أصول منتجة بالفعل في غرب دلتا النيل، إلى جانب حصة في امتياز التمساح، والأكثر أهمية أن منطقة التمساح نفسها شهدت نشاط استكشافي مهم، كما أشارت بي بي في نتائجها للنصف الأول من 2026 إلى اكتشاف غاز ومتكثفات في بئر Denise W-1 بالامتياز، وإلى اتفاق سابق لتجديد الامتياز لمدة 20 عام.

أي أننا أمام أصول لها تاريخ إنتاجي وبنية أساسية ومعلومات جيولوجية، وليست مجرد رهانات على خرائط، وهذا هو الفارق بين شراء أصل بترولي قائم وبين بدء مشروع استكشافي من الصفر.

وفق المعلومات المنشورة حاليًا، تدور قيمة الصفقة المحتملة حول مليار دولار، أما الحديث عن تقييم سابق يقارب ملياري دولار ثم تراجعه إلى مليار دولار، فيحتاج إلى توثيق نهائي قبل اعتباره رقم مؤكد، لكن حتى عند مستوى المليار دولار، فإن الرقم يجب ألا يوضع فى الاعتبار م لم يحدث على الأرض.

مصر تواجه تحدي واضح في ميزان الغاز، وتقرير رويترز في يوليو الماضي أشار إلى أن إنتاج الغاز المصري انخفض إلى أقل من 4 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال السنة المالية 2025/2026، وأن البلاد كانت تتفاوض على تعاقدات متعددة السنوات لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، قد تصل تكلفتها وفق السيناريوهات التي نقلها التقرير إلى ما بين 8 و11 مليار دولار سنويًا، وهنا تتغير طريقة الحسابات تمامًا، فبدلًا من السؤال: هل تستطيع مصر دفع مليار دولار لشراء أصول بترولية؟
يجب أن نسأل أيضًا: كم مليار دولار ستدفع مصر خلال السنوات المقبلة لاستيراد الغاز الذي يمكن أن تسهم هذه الأصول في إنتاج جزء منه محليًا؟

المبلغ المدفوع لاستيراد شحنة LNG يخرج وينتهي أثره باستهلاك الشحنة، بينما المبلغ المدفوع في أصل منتج يشتري احتياطيات وتدفقات نقدية وحصة في إنتاج مستقبلي وأصول وبنية ومعلومات فنية يمكن تطويرها، وهذه مقارنة اقتصادية تستحق الدراسة قبل أن تنتقل الملكية إلى مستثمر آخر لا نعلم من هو لأنه مجهول .

والقول بضرورة دراسة استحواذ مصر على هذه الأصول لا يعني بالضرورة أن تخرج وزارة المالية غدًا بشيك بمليار دولار، هناك عشرات الهياكل التمويلية الممكنة، فيمكن تأسيس كيان استثماري تقوده إحدى شركات أو هيئات قطاع البترول، مع مؤسسات مالية مصرية وعربية، أو الدخول في تحالف مع صندوق استثماري، أو الاستعانة بتمويل طويل الأجل بضمان التدفقات النقدية للأصول نفسها، أو إنشاء شركة ذات غرض خاص تستحوذ على المحفظة وتقوم بسداد التمويل من حصتها في الإنتاج.

والقرار النهائي يجب أن تسبقه بالطبع عملية فحص فني ومالي وقانوني دقيقة للغاية، وهذه مهمة الدكتور محمد الباجوري، تحدد الاحتياطيات المتبقية، ومعدلات التناقص الطبيعي، والاستثمارات المطلوبة للحفاظ على الإنتاج، والتزامات التفكيك، وشروط اتفاقيات الامتياز، والتدفقات النقدية المتوقعة، فليس كل أصل معروض للبيع فرصة، لكن كل أصل استراتيجي معروض للبيع يستحق أن تفحصه الدولة قبل أن تقول لا.

وربما يسأل البعض: لماذا تبيع بي بي أصولها؟وهذه أيضًا نقطة مهمة.
بيع «بي بي» لبعض أصولها المصرية لا يعني بالضرورة أنها فقدت الثقة في مصر أو في جيولوجيتها، الشركة تنفذ برنامج عالمي واسع لإعادة هيكلة محفظتها والتخارج من أصول بهدف خفض المديونية وتركيز رأس المال، وكانت تستهدف في 2026 وحده حصيلة تتراوح بين 8 و9 مليارات دولار من عمليات التخارج وغيرها، وفق نتائجها للنصف الأول.

وفي الوقت نفسه، استمرت بي بي في أنشطة أخرى داخل مصر، بينها الاستكشاف، كما تحدث مسؤولوها في أبريل 2026 عن تكثيف النشاط في البحر المتوسط والاهتمام بالبحر الأحمر، حسب بيانات الهيئة المصرية العامة للبترول⁠، إذن المسألة ليست هروب شركة من مصر، بقدر ما هي إعادة ترتيب لمحفظة شركة عالمية، وهنا بالضبط قد توجد الفرصة المصرية.

ما لم يعد مناسب لاستراتيجية شركة عملاقة متعددة الجنسيات قد يكون شديد الأهمية لاستراتيجية دولة تبحث عن كل قدم مكعبة غاز تستطيع إنتاجها محليًا، والمشكلة هي الزمن، لأن صفقات البترول لا تنتظر البيروقراطية.

عندما تقرر شركة عالمية بيع أصل، تتحرك البنوك الاستثمارية والمشترون المحتملون والمستشارون وغرف البيانات بسرعة، ومن يدخل متأخرًا قد يجد أن الصفقة أصبحت حصرية مع مشتري آخر، وهو بالفعل ما تشير إليه التقارير المنشورة بشأن دخول «إنرجيان» في مفاوضات حصرية.

ولهذا فإن المطلوب ليس لجنة تجتمع بعد شهرين لدراسة الأمر، ثم لجنة أخرى لمراجعة دراسة اللجنة الأولى، المطلوب فريق يدرس سريعاً ثم يقرر الصفقة، فريق يضم هيئة البترول وإيجاس والمالية والبنوك والاستثمار والقانونيين والمتخصصين الفنيين، يفتح غرفة البيانات ويقيم الاحتياطيات والإنتاج والتدفقات النقدية والالتزامات، ثم يضع أمام الدولة خلال فترة محدودة إجابة واضحة: هل الشراء مجدي أم لا؟ وما السعر العادل؟ وكيف يمكن تمويله؟

والسرعة هنا لا تعني التهور، السرعة تعني أن تدرس قبل أن تضيع الفرصة، وهذه نقطة ينبغي أن تكون واضحة أمام قيادات القطاع: أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الملفات هو التكاسل أو الخوف من اتخاذ القرار، فالقيادة ليست إدارة الأوراق الموجودة فقط، وإنما اكتشاف الفرصة قبل الآخرين والتحرك نحوها.

مصر نفسها تبحث عن زيادة الإنتاج، ووزارة البترول أعلنت في أغسطس طرح مزايدة عالمية جديدة تضم 14 منطقة للبحث عن البترول والغاز، وقال الوزير كريم بدوي إن الهدف هو جذب استثمارات جديدة ودعم الإنتاج المحلي، مستفيدًا من قرب عدد من المناطق المطروحة من البنية الأساسية القائمة بما يقلل تكلفة التنمية ويسرع ربط الاكتشافات بالإنتاج، وهذا اتجاه صحيح، لكن إذا كنا نبحث عن مستثمر يأتي ليحفر ويكتشف وينمي ثم ينتج بعد سنوات، فمن المنطقي بالتوازي أن نفحص فرصة شراء إنتاج قائم وأصول قائمة واحتياطيات معروفة وبنية موجودة بالفعل عندما يقرر أحد المستثمرين إعادة ترتيب محفظته، الاستكشاف ضرورة، والاستحواذ أيضًا أداة من أدوات إدارة موارد الطاقة، لماذا لا نمتلك نحن؟

لسنوات طويلة كان النموذج المصري يقوم في جانب كبير منه على منح الامتيازات للشركات العالمية، ثم اقتسام الإنتاج معها، وهو نموذج أدى دورًا مهمًا في جذب رأس المال والتكنولوجيا وتحمل مخاطر الاستكشاف، لكن تطور الصناعة المصرية يستدعي إضافة نموذج آخر: أن تصبح الشركات المصرية نفسها مستثمر يشتري الأصول عندما تظهر الفرصة المناسبة، فلدينا خبرات بشرية تراكمت عبر عشرات السنين، وشركات تشغيل وهندسة ومشروعات وبنية أساسية ضخمة، ولدينا سوق محلية تحتاج كل جزيء غاز وكل برميل زيت، فلماذا يظل دورنا دائمًا صاحب الأرض والشريك، ولا نتحول في بعض الحالات إلى مالك للأصل نفسه؟

لا أقول إن على مصر أن تشتري أصول بي بي بأي سعر، بل أقول العكس تماماً، على مصر أن تدرسها كما يدرسها أي مستثمر محترف: الاحتياطيات، عمر الحقول، معدلات التناقص، تكلفة التشغيل، الاستثمارات المستقبلية، سعر الغاز، الالتزامات، العائد على رأس المال، وفترة استرداد الاستثمار، فإذا أثبتت الأرقام أن قيمة الأصول أعلى من سعر شرائها، وأن الإنتاج المتوقع يبرر الاستثمار، وأن الصفقة تقلل بصورة اقتصادية جزءًا من فاتورة الاستيراد، عندها يصبح عدم التحرك سؤالًا مشروعًا.

أما إذا أثبت الفحص العكس، فليكن القرار بالابتعاد عنها قرار مبني على أرقام، المهم ألا تضيع الصفقة لأن أحدًا تأخر في طلب الملف، أو لأن المكاتبات أخذت شهور، أو لأن المسؤول فضّل ألا يتحمل مسؤولية قرار كبير.

الدول التي تبني أمنها في الطاقة لا تنتظر الفرص حتى تطرق أبوابها، وإنما تراقب السوق وتتحرك عندما تتقاطع المصلحة الاستراتيجية مع السعر المناسب.

وإذا كانت أصول بي بي في مصر مطروحة بالفعل بنحو مليار دولار، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن، وقبل اكتمال أي صفقة مع مشترٍ آخر، ليس:

أهم نقطة صححتها في الطرح هي أن المصادر الموثوقة التي عثرت عليها تؤكد قيمة محتملة تقارب مليار دولار، لكنها لا تثبت حتى الآن بصورة كافية أن السعر الرسمي كان ملياري دولار ثم خُفّض للنصف؛ لذلك صغت هذه الجزئية بحذر حتى يظل المقال وثائقيًا ولا تكون فيه ثغرة يمكن الاعتراض عليها.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط