الإثنين 12 أكتوبر 2026 الموافق 01 جمادى الأولى 1448

وليد حجازي..يكتب فصل جديد في تاريخ خدمات البترول البحرية

264
المستقبل اليوم

قد تستعيد شركة نشاطها بعقد جديد وعمل أكثر توسعاً، وتستعيد قدرتها الفنية بتطوير معداتها، لكن استعادة ثقة العاملين تحتاج إلى عمل أكثر صعوبة، لأن الموظف الذي ضعفت صلته بشركته لا يعود إليها وجدانياً بمجرد صدور قرار، وإنما حين يرى في طريقة إدارتها ما يستحق أن يمنحها جهده وحرصه من جديد.

من هذه الزاوية تستحق تجربة المهندس وليد حجازي في شركة خدمات البترول البحرية pms القراءة والتأمل، فالتغيير الذي نتحدث عنه يتعلق بالقيادة الهادئة، وبإعادة صياغة العلاقة بين العامل وشركته، تلك العلاقة التي قد تبقى قائمة في الأوراق وكشوف الرواتب، بينما يتراجع حضورها في الإنتماء.

ولفهم هذه التجربة، ينبغي العودة إلى ما قبل توليه رئاسة الشركة..وليد حجازي ابن شركة بترول بلاعيم، بدأ مسيرته فيها عام 2002، وتدرج في مواقعها الفنية حتى تولى إدارة المشروعات، ثم شغل منصب مدير عام مشروعات بتروشروق في عام 2025، قبل تكليفه برئاسة خدمات البترول البحرية، هذه الخلفية تمنح تجربته الحالية معنى يتجاوز الانتقال من وظيفة إلى أخرى، فقد جاء من بيئة تعرف حجم المسؤولية المرتبطة بالإنتاج، وتعرف كيف تتحول أعمال المقاولين والخدمات إلى عنصر حاسم في تنفيذ المشروعات.

وكانت صلته بحقل ظهر، وفق الخلفية التي تقوم عليها هذه القراءة، متزامنة مع فترة انتعاش خدمات البترول البحرية، ومن هنا تبرز خصوصية موقعه: عرف الشركة قبل أن يتولى إدارتها، وشاهدها من جهة تحتاج إلى خدماتها، وتنتظر تنفيذها، وتتعامل مع قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وهذه معرفة لها وزنها، فمن يتعامل مع الشركة من خارجها يرى أثر أدائها بصورة مباشرة: أين تنجح، وأين تتأخر، وما الذي يمنحها ثقة العميل، وما الذي يضعف هذه الثقة، وعندما ينتقل إلى رئاستها، تصبح أمامه فرصة لربط ما كان يراه من نتائج بما يقف خلفه من تفاصيل.

لهذا فإن معرفته بفترات القوة والضعف تتيح له قراءة أكثر واقعية للشركة، يعرف أن لديها ما يستحق البناء عليه، وأن استعادة مكانتها تحتاج إلى فهم أسباب التراجع، وحماية عناصر التميز، وإعادة جمعها في اتجاه واحد، فلا تختزل الشركة في مرحلة تعثرت فيها، ولا يكفي تاريخها الجيد لإعفائها من مراجعة حاضرها، وهنا يأتي الانضباط الهادئ بوصفه جوهر التجربة.

لأن الهدوء في الإدارة يصبح مؤثر حين يصاحبه وضوح: يعرف كل مسؤول حدود عمله، ويعرف الموظف ما هو مطلوب منه، وتصبح المتابعة أمر معتاد، وتفقد الاستثناءات قدرتها على إرباك قواعد العمل، عندها يستقر العمل، ويقل استنزاف الوقت في تفسير التعليمات، وانتظار التدخلات، ومحاولة معرفة أي طريق أقصر للوصول إلى القرار.

وهذا النوع من الانضباط يحتاج إلى نفس طويل، فالصوت العالي قد يحسم موقف معين، لكنه لا يبني وحده نظام، أما القاعدة التي تُطبق باستمرار، والمعاملة التي تحفظ الاحترام، والمتابعة التي تصل إلى موضع الخلل، فتترك أثرًا يمتد إلى ما بعد انتهاء الاجتماعات وخروج رئيس الشركة من الموقع.

والقيمة الأهم في التحول الذي تصفه تجربة وليد حجازي هي اقتراب الانضباط من استعادة الانتماء، إذ يمكن إلزام الموظف بالحضور، لكن حرصه على الشركة يتكون عندما يشعر بأن لجهده قيمة، وأن التزامه يجد تقدير، وأن العلاقة مع الإدارة مفهومة ومستقرة، فالانتماء يضعف بالتراكم، ويضعف حين يتساوى المجتهد مع المتراخي، وحين تغيب أسباب القرارات الصحيحة، وحين يشعر العامل بأن الحديث عن مصلحة الشركة لا ينعكس على طريقة التعامل معه، ومع الوقت، قد يؤدي واجبه بالحد الأدنى، ويتوقف عن المبادرة، ويصبح نجاح الشركة خبر يخص الإدارة أكثر مما يخص عملها.

واستعادة هذه الصلة تحتاج إلى تغيير يلمسه العامل في يومه العادي، في الطريقة التي يناقش بها، وفي جدية التعامل مع كلامه وملاحظاته، وفي وضوح المسؤوليات، وفي احترام خبرته، ومن هنا يمكن فهم أهمية ما تحقق من إعادة التقارب بين العاملين وشركتهم: حين يشعر الموظف بأنه جزء معتبر من المؤسسة، يصبح أكثر استعدادًا للدفاع عن جودة عملها وسمعتها.

وفي شركة تعمل في الخدمات البحرية، لهذه العلاقة أثر عملي بالغ، فالأداء يعتمد على تتابع المسؤوليات وتكاملها، وعلى التزام كل فريق بما يخصه، وعلى قدرة الجميع على التحرك وفق متطلبات التنفيذ والسلامة،وأي ضعف في الثقة أو الاتصال قد ينعكس على العمل نفسه.

ولنذكر نموذجين على تقدم بعض تحركات وليد حجازي المعلنة، فهما مؤشرات تساعد على قراءة توجهه الإداري، فقد زار الوحدة البحرية «البارج 17» لمتابعة الأعمال النهائية بالمرحلة الثانية من مشروع تنمية حقل شمال صفا، مؤكدًا ارتباط رفع كفاءة الأداء بالالتزام بمعايير السلامة والحفاظ على العاملين، كما شارك في وقفة سلامة شملت مواقع الشركة ووحداتها البحرية ومقراتها، وتناول الإبلاغ عن المخاطر والحوادث الوشيكة باعتباره وسيلة للتعلم ومنع الحوادث.

هذه الوقائع لا تكفي وحدها للحكم على نتائج التجربة كلها، لكنها تكشف جانبًا من أولوياتها: متابعة التنفيذ في موقعه، وإدخال العاملين في مسؤولية حماية العمل وتحسينه، وهي أولويات تتسق مع إدارة تريد أن يصبح الالتزام ممارسة مشتركة داخل الشركة.

ومن هذا الباب أيضاً تتشكل الصورة الأكثر إشراقًا لخدمات البترول البحرية، فصورة الشركة تبدأ مما يراه العاملون والعملاء فيها، وحين يستقر العمل، وتتضح المسؤولية، ويزداد الحرص على التنفيذ، تصبح الرسالة التي تخرج إلى الآخرين أقوى، وحين يستعيد العامل ثقته بمؤسسته، يحمل عنها صورة أفضل في حديثه وسلوكه، ويصبح شريكًا في سمعتها.

والميزة التي ينبغي الحفاظ عليها في تجربة وليد حجازي هي أن تتحول هذه الروح إلى أسلوب عمل مستقر، يستمر مع ضغط المشروعات، واختلاف الظروف، وتبدل المسؤوليات، وهذا هو الاختبار الذي يثبت أن التقارب بين العاملين والإدارة أصبح جزءاً من الشركة، وأن الانضباط اكتسب جذور تحميه.

لقد عرف حجازي خدمات البترول البحرية وهي تعمل أمامه، ثم أصبح مسؤولًا عما يجري داخلها، وبين الموقعين فرصة نادرة: أن يجمع معرفة العميل بقدرات الشركة مع معرفة الرئيس باحتياجات العاملين، وأن يستخدم هذه المعرفة لإعادة الشركة إلى مستوى يليق بخبرتها وإمكاناتها.

ولهذا يستحق المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، ورئيس الهيئة المصرية العامة للبترول، المهندس صلاح عبدالكريم، الشكر على هذا الاختيار، فحين تأتي قيادة تعرف الشركة من واقع العمل، وتستطيع أن تجمع بين وضوح المسؤولية واحترام العاملين، يصبح للاختيار أثر يتجاوز شغل المنصب.

وأفضل ما يقدمه وليد حجازي مقابل هذه الثقة أن يرسخ ما بدأه، شركة ينتظم العمل فيها، ويستعيد أبناؤها اعتزازهم بها، وتسترد مكانتها بما تنجزه، عندئذ تصبح الصورة الأكثر إشراقًا نتيجة يراها الناس، ويكون الانتماء قوة تدفع الشركة إلى الأمام.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط